​​​​​​​ماذا وراء زيارة الوفد التركي الأخيرة إلى ليبيا؟

وسط دعوات بإخراج المرتزقة الأجانب ومباحثات أممية لدعم العملية السياسية في ليبيا، وصل وفد تركي رفيع المستوى إلى ليبيا في رسالة واضحة على بقاء قواتها ومرتزقتها في البلد الذي مزقته الحرب، فماذا وراء هذه الزيارة؟ أهي مصيبة أخرى وفتنة بين الأطراف الليبية أم تأكيد تركي على الاستمرار في احتلال المناطق الليبية التي يتواجد فيها؟

ووصل وزير الدفاع التركي، خلوصي آكار، الجمعة الماضي، إلى ليبيا في زيارة مفاجئة، على رأس وفد رفيع المستوى، ضم وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو، ووزير الداخلية ورئيس الاستخبارات ورئيس دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية والناطق باسم الرئاسة، وذلك بدون تنسيق مع الجانب الليبي.

وجاءت الزيارة قبل مؤتمر "برلين 2" الذي دعت ألمانيا والأمم إلى عقده في 23 من حزيران الجاري وكذلك قبل قمة حلف الناتو التي عقدت في الـ 14 من حزيران الجاري.

وفي الوقت الذي ادعت فيه تركيا أن الزيارة تهدف إلى توسيع التعاون مع ليبيا وطمأنة الليبيين بأن أنقرة ستكون أكبر الداعمين لها، كشف باحث تركي مقرب من الحكومة التركية النوايا الحقيقة للزيارة المفاجئة؛ فأكد في مداخلة مع قناة مملوكة للدولة التركية أن الزيارة قبل مؤتمر "برلين 2" هي رسالة للغرب والناتو بأن بلاده لن تغير سياستها تجاه ليبيا.

كما جاءت الزيارة في وقت يواصل فيه المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا يان كوبيتش اتصالاته لحشد المزيد من الدعم للعملية السياسية في ليبيا.

وبحسب خريطة الطريق، التي تم الاتفاق عليها من جانب الدول الكبرى والأطراف الليبية، وبإشراف الأمم المتحدة، فإنه يجب انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة من البلاد، ولكن لا تزال تركيا ترفض بإصرار سحب قواتها من البلاد، وإخلاء قواعدها، بدعوة أنها موجودة على أساس اتفاق مع حكومة السراج، كما ترفض سحب مرتزقتها السوريين والذين يبلغ تعدادهم نحو 20 ألف مرتزق.

'انتهاك للسيادة'

وعن الزيارة المفاجئة وبدون علم الدولة الليبية، قال اللواء أحمد المسماري إن دخول وزير الدفاع الترك خلوصي آكار إلى طرابلس بشكل مفاجئ ودون تنسيق مع الدولة الليبية انتهاك لسيادة الدولة.

وتساءل المسماري "أين المجلس الرئاسي وحكومة الستة أشهر، أين مؤسسات المجتمع المدني، والنشطاء السياسيون من هذا الإجراء التركي التعسفي؟!".

وتابع: "حقيقةً هذه جريمة ما بعدها جريمة، لقد أخرج جميع الليبيين من قاعدة معيتيقة، لتسيطر عليها القوات التركية سيطرة كاملة، ومن ثم يدخل وزير دفاعهم ويضرب الباب بحذائه العفن غصبًا عن كل ليبي موجود في القاعدة، ويعقد اجتماعاته على أعلى المستويات مع الضباط الأتراك".

وتساءل المسماري: "من كان مع آكار في الطائرة؟ هل كان معه أحد قادة تنظيم القاعدة؟ وهل كان معه سلاح محرم دوليًّا؟".

'مناورة جديدة'

إلى ذلك قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنه تلقى تأكيدات من نظيره التركي رجب طيب أردوغان خلال لقاء في قمة الناتو بأنه يريد رحيل المرتزقة عن الأراضي الليبية في أقرب وقت ممكن.

وردًّا على تلك التصريحات، أكد خبراء عسكريون وسياسيون ليبيون أن تصريحات أردوغان مناورة تركية لتفادي "الإحراج" أمام قادة دول حلف شمال الأطلسي" الناتو"، وتستبق مؤتمر برلين 2 في 23 يونيو/ حزيران الجاري.

وأوضحوا أن القوات الأجنبية والمرتزقة باقية في ليبيا حتى بعد الانتخابات المقبلة، خشية سقوط حلفائه من تنظيم الإخوان المسلمين وفشلهم في الحصول على المناصب البرلمانية والرئاسية.

ويرى الخبراء الليبيون أن حديث أردوغان عن سحب المرتزقة والقوات عبارة عن مراوغة ومناورة جديدة.

'حلقة عدوان تركي جديد'

وعن الزيارة غير المعلنة والمفاجئة قال مدير المركز الافروأسيوي للدراسات السياسية والاستشارات والباحث في الشؤون الليبية، محمد فتحي الشريف، إن زيارة وزير الدفاع التركي، خلوصي آكار، "هي حلقة جديدة من حلقات العدوان التركي على ليبيا، وتعد الزيارة دليلًا قاطعًا على انتهاك تركيا للسيادة الليبية، وأن المنطقة الغربية وكل مسؤوليها تحت الاستعمار التركي البغيض، فالوزير التركي يتعامل مع ليبيا وكأنها محافظة تركية".

وأضاف الشريف في تصريحات لوكالتنا "إن المشهد كان مستفزًّا عندما هبط وزير الدفاع التركي في مطار معيتيقة وكأنه في تركيا، إذ لم يكن يعلم أحد من المجلس الرئاسي أو الحكومة أو السفارة التركية في طرابلس، بموعد وصول الوزير، فلم يكن يعلم بذلك سوى الجنود الأتراك، الذين طلبوا من مسؤولي حرس القاعدة من الجانب الليبي عدم التواجد في مكان هبوط الطائرة وهو ما ظهر في لقطات وصول آكار".

'رسالة تركية للضغط على المجتمع الدولي'

إلى ذلك قال الباحث في الشؤون الليبية إن الهدف من الزيارة يأتي في إطار ضغط تركيا على المجتمع الدولي لكي يسمح لها بالبقاء في ليبيا وخاصة في توقيت اجتماع لدول حلف الناتو وهناك معارضة أمريكية فرنسية للوجود التركي في ليبيا وهما دولتان أعضاء في الحلف، لأن أردوغان يريد أن يفرض وجوده في الغرب الليبي بعد أن أصبحت  كل الأمور العسكرية في يد قواته وبعض الميلشيات الداعمة له، حتى إن المجلس الرئاسي والحكومة مغلوبان على أمرهما في التعامل مع الوجود التركي وهو ما ظهر في الزيارة التي تعد انتهاك لسيادة ليبيا من الجانب التركي، فالمشهد  كان مهينًا ومحرجًا وخارجًا عن التقاليد والأعراف الدبلوماسية، بحسب الشريف.

'عرقلة مسار المفاوضات'

ويشير الشريف إلى أن الزيارة هي حلقة ضغط لاستمرار الوجود التركي، وخاصة بعد أن أدركت إدارة أردوغان أن العالم أجمع يرغب في إخراج المرتزقة والذهاب إلى الانتخابات، وبالتالي ترغب تركيا أن يكون وجودها بشكل رسمي من خلال إدارة الأمور من خلف الستار حتى تحافظ على مغانمها السابقة والمستقبلية.

ويرى الشريف أنه لا يمكن حل الأزمة الليبية في ظل وجود تركيا وأن الأتراك يعرفون ذلك جيدًا ويدركون أن حل الأزمة السياسية وخلق توافق في ليبيا ليس في صالحهم ولا صالح مصالحهم السياسية والاقتصادية، لذلك سوف تضغط تركيا من خلال أنصارها في جماعة الإخوان لعرقلة العملية السياسية والسيطرة على الغرب الليبي.

'بوابة أفريقيا.. مكاسب سياسية واقتصادية لتركيا'

وعن الحديث في بعض وسائل الإعلام التركية بأن لدى النظام التركي رغبة في نقل المرتزقة السوريين من ليبيا إلى كشمير وأفغانستان، يعتقد الباحث في الشؤون الليبية أن تركيا لن تفرط في ليبيا وذلك لعدة أسباب.. الأول مغانم اقتصادية لن تحصل عليها في أي مكان آخر..  والثاني مكاسب سياسية من خلال الوجود في أفريقيا فدولة ليبيا هي بوابة أفريقيا.

بالإضافة إلى المحافظة على وجودها في المتوسط وهو ملف مهم جدًّا بالنسبة لتركيا وأعتقد ان السيطرة في ليبيا تمكنها من تحقيق مصالحها في المتوسط، وبالتالي لن تخرج تركيا من المشهد الليبي ولن تستبدل نفوذها في تلك المنطقة أبدًا.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً