​​​​​​​موازنة سوريا لـ2021.. هوة تتمّم انسداد الاقتصاد المتهالك

أقرّ البرلمان السوري مشروع قانون الموازنة لعام 2021، وسط استياء شعبي من تصاعد الأزمة الاقتصادية، وعجز الحكومة عن توفير أبسط متطلّبات المواطنين.

بعد نحو شهر ونصف من مناقشة البيان المالي لحكومة دمشق، حول مشروع قانون الموازنة للعام القادم 2021، اعتمد البرلمان (مجلس الشعب) مشروع القانون بصيغته النّهائية، في الـ 15 من كانون الأول/ ديسمبر الجاري، بقيمة 8.5 تريليون ليرة سورية، وأصبح بالفعل قانوناً ملزماً ونافذاً.  

في حين يكشف الواقع الاقتصادي المتردّي حقيقة قرارات الحكومة والموازنات السّالفة، ويثير سخط المواطن السوري من العجز الذي يخيّم على الحكومة، التي لم تعد قادرة على تأمين لقمة عيش كريمة له.

سخط شعبي

وأثار إقرار ميزانية السّنة القادمة، سخطاً لدى عامّة المواطنين الذين يعيشون في مناطق سيطرة الحكومة، إذ عبر مواطنون على وسائل التّواصُل الاجتماعي عن مللهم من الخطابات الرنّانة التي لا تنفع ولا تؤمّن لهم قوت يومهم.

في حين اشتكى المواطن "ك. ن"  على صفحته الشخصية في فيسبوك من الرّواتب، وكتب: "كلّ منتجات سوريا من باقة البقدونس حتى العقارات يتمّ تسعيرها على قيمة الدولار داخل الغرف المغلقة، باستثناء الرّواتب والأجور مازالت تُحتسب على دولار ٥٠ ليرة منذ عام ٢٠١١".

أمّا المواطنة "ج. و" فتقول: "إنّ الحكومة عاجزة لأن تقدّم أي حلّ أو خيار إلّا مزيداً من الضّغط على الناس التي لم تعد تتحمّل الوضع".

ورغم تخصيص 7 تريليونات ليرة سورية كاعتمادات جارية في نفقة العام المقبل، إلّا أنّه لا يتوقّع أن تكون هناك زيادة في رواتب الموظفين.

لا مؤشرات على زيادة الرواتب

وأشارت الباحثة الاقتصادية د. رشا سيروب، في دراسة حول الموازنة، أنّ زيادة الاعتمادات الجارية لا يشير إلى احتمال زيادة الرّواتب والأجور، لكنّها عبارة عن إدراج الزّيادة التي حصلت على الرواتب نهاية 2019 في موازنة 2021، والتي كان من المفترض أن تُدرج بموازنة 2020.

إجابات مضلّلة ..

وأمام الوضع الاقتصادي المزري الذي تعانيه المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق، وجّهت الكثير من التساؤلات للحكومة من خلال مجلس الشعب، ولكن الإجابات المضلّلة كانت حاضرة.

إذ ادّعى وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك طلال البرازي ردّاً على مداخلات أعضاء مجلس الشعب، أنّ "واقع الأفران حول الازدحام على الأفران تبدّل بنسبة 70 بالمئة منذ عشرين يوماً، والسّبب زيادة منافذ البيع والمعتمدين وهناك 294 معتمداً في دمشق، ونسعى لأن يصل عددهم إلى 420 لتخفيف الازدحام".

وأشار أنّه تمّ تخصيص دوريات من مراقبي التموين لضبط الاتّجار بالخبز، وتمّ تنظيم 169 ضبطاً وأحياناً يكون الفساد من الموظّف حيث يمنح الشخص فوق مستحقاته من الخبز.

وتعاني المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الحكومة من نقص في مادّة الخبز وعدم توفّرها، إذ تحوّلت سوريا من دولة منتجة للقمح ومصدّرة له إلى مستوردة له، بفعل توقّف المواطنين عن توريد الأقماح إلى مراكز الحكومة، بسبب انخفاض أسعار الشّراء مقارنةً بأرتفاع أسعار صرف الليرة أمام الدولار، وعدم خضوع المناطق الزراعية لسيطرة الحكومة.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في الـ 17 من كانون الأول  الجاري، إنّ روسيا زودت سوريا بـ 100 ألف طن من القمح كمساعدات إنسانية منذ بداية عام 2020 وتعتزم تقديم المزيد.

دولة عميقة تصدر القرارات باسم الحكومة

وقال محلّل اقتصادي من العاصمة دمشق "لم يتم ذكره لأسباب أمنية"، إنّ "هناك ما يشبه الدّولة العميقة داخل الدّولة نفسها تظهر قراراتها من خلال الحكومة، ولكن في الحقيقة هي من تصوغ القرارات، وتحدّد الأسعار وغيرها، وتُدعى بالّلجان الاقتصادية" على حدّ وصفه.

وأشارإلى أنّ التّصريحات التي تخرج من مسؤولي الحكومة والمنتفّذين فيها حول الأسعار والضّبط، وميزانية السّنة الجديدة، هدفها تلميع صورة الفاسدين من خلال أجندة إعلامية مهمّتها واضحة في هذا السياق، مؤكّداً أنّ التّصريحات لا تستطيع تأمين احتياجات الشعب.

فرق الموازنات

وعلى الرّغم من أنّ موازنة العام المقبل والبالغة 8 تريليونات و500 مليار ليرة سورية، تزيد بنحو الضّعف عن موازنة عام 2020 والتي بلغت 4 تريليونات ليرة سورية، لكن لا يبدو أنّها ستحصد فرقاً عن عام 2020 الذي لم يختلف بدوره في القيمة الإجمالية لموازنة عام 2019.

ويبلغ سعر صرف الليرة السورية الرسمي أمام الدولار هذا العام 1256 ليرة مقابل الدولار الواحد، فيما بلغ سعر الصرف الرسمي العام الماضي 434 مقابل الدولار وفق مصرف سوريا المركزي، وهذا ما يجعل موازنة العام القادم أقل بـ 27 % من موازنة العام الحالي.

كما أنّ سعر الصّرف في السّوق السّوداء عند إقرار موازنة العام المقبل أكثر من الرسمي بأكثر من الضّعف، بينما انخفض السعر في السّوق السّوداء عند إقرار موازنة 2020 إلى 800 ليرة، في أدنى مستوياتها منذ اندلاع الأزمة.

العقوبات

وتسبّب الأزمة التي تمرّ بها سوريا، إلى تدمير البنية الاقتصادية في البلاد وخصوصاً في مناطق سيطرة الحكومة التي شهدت معارك عنيفة بين قوات الحكومة والمسلحين، والمجموعات المرتزقة التي أظهرت تبعيّتها لاحقاً لتركيا وتحوّلها إلى مجموعات مرتزقة تقاتل لصالح تركيا في كلّ من ليبيا وقره باغ وغيرها من المناطق.

وتلقى البنية الاقتصادية المدمّرة بظلالها على الاقتصاد السوري والوضع المعيشي، الذي يعيشه المواطن الذي يواجه بدوره انخفاضاً كبيراً في الأجور، فضلاً عن انتشار البطالة بفعل الانهيار الذي تعيشه البلاد منذ بدايات الأزمة في عام 2011.

وفي هذا السّياق يؤكّد الخبير الاقتصادي أنّ العقوبات التي استهدفت البنك المركزي والأفراد والمؤسّسات المرتبطة بالحكومة، أثّرت بشكل مباشر على الشّعب أكثر من تأثيرها على هؤلاء المسؤولين الذين يعيشون أوضاعاً اقتصادية غير مسبوقة لاستفادتهم من الحرب وتحوّلهم إلى "تجّار حروب" عبر عمليات التّهريب والتحكّم بالأسعار وما إلى ذلك.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية فرضت مؤخّراً عقوبات جديدة على سوريا أضافت فيها "فردين وتسعة كيانات تجارية ومصرف سوريا المركزي إلى قائمة العقوبات”.

وقال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في بيان نقلته ”رويترز”: إنّ الولايات المتحدة "ستواصل السّعي من أجل محاسبة من يطيلون أمد هذا الصراع”.

وخضعت سوريا لعقوبات من الولايات المتحدة والاتّحاد الأوروبي، أدّت إلى تجميد الأصول الأجنبية المملوكة للدولة ومئات الشركات والأفراد. وتحظر واشنطن بالفعل الصّادرات إلى سوريا واستثمار الأمريكيين هناك، فضلاً عن الاستثمارات المتعلّقة بمنتجات النفط والغاز.

ويرى الخبير الاقتصادي من دمشق إنّ العقوبات لها تأثير واضح على فقدان المواد الغذائية والدوائية الأساسية، وتدهور الوضع المعيشي والاقتصادي للمواطن السوري.

وفي انتظار الحلول الناجعة، يبقى السّخط والغضب الشعبي والملل من الخطابات الرنّانة التي لا تسدّ الرّمق، ولا تغني من جوع، سيّد الموقف.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً