في الـ 21 من آذار خُطّت الحروفُ الأولى لتحرير مدينة الطبقة

أول عملية إنزال جوي لقوات سوريا الديمقراطية في محيط مدينة الطبقة، كانت بداية طريق فرض الحصار على ما تسمى بـ"عاصمة الخلافة" مدينة الرقة؛ 50 يوماً كانت كافية للمقاتلين بأن يكتبوا ميلاداً جديداً لـ "حسناء الفرات"، ونهاية أحلام قوى كانت طامعة بها.

في الـ 21 من آذار عام 2017 نفذت قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي عملية إنزال جوي على الضفة الغربية لنهر الفرات في ريف الطبقة الغربي، بهدف تحرير هذه المدينة الاستراتيجية التي تضم سد الفرات، أكبر السدود في سوريا من داعش الذي كان قد أعلن ما يسمى الخلافة في 29 حزيران 2014، واختار مدينة الرقة عاصمة لها، بعد أن كان قد سيطر عليها بشكل كامل في كانون الثاني 2014.

الطبقة أبعاد استراتيجية وتموضع جغرافي حساس

تتمتع مدينة الطبقة ببعد استراتيجي، وذلك لموقعها الجغرافي المتميز، فهي تقع في الجناح الغربي من الهلال الخصيب في الوسط، وإلى الشمال من الخريطة السورية على الضفة اليمنى لنهر الفرات، الذي يجتازها من الجهة الشمالية الغربية، مشكلاً خلف سد الفرات بحيرة اصطناعية مساحة سطحها 525 كم2.

ولتوسطها مدينتي حلب والرقة، فهي تعدّ ملتقى الطرق بين شمال سوريا والعمق السوري حتى العاصمة دمشق، علاوةً عن امتدادها الجنوبي في بادية الشام.

و كان تحرير هذه المدينة من داعش يعني أن الأخير يتلقى ضربة موجعة، ويخسر نقطة العبور بين غرب وشرق الفرات، ويكسر خط الدفاع الأول عن ما يسمى "عاصمة الخلافة" المزعومة، إذ تعد الطبقة بالنسبة لمدينة الرقة المدخل الغربي المشرف على عمق الغرب والجنوب السوري، فضلاً عن موقعها الهام على طريق (حلب، الرقة، بغداد) الدولي، ومجاورتها لمطار الطبقة العسكري أحد أكبر المطارات العسكرية في سوريا.

تغيير ديموغرافي بغية توطين المرتزقة الأجانب

وتعرضت مدينة الطبقة لعملية تغيير ديموغرافي غير مسبوقة في تاريخها بعد سيطرة مرتزقة داعش عليها، حيث شرع داعش ومنذ الأيام الأولى لسيطرته عليها باستهداف مختلف مكونات المنطقة بعلميات ترحيل وتهجير قسري، وتنفيذ العشرات من عمليات الإعدام تحت شماعة "إقامة الحد"، وفق فتاوى واهية شرذمت الآلاف من أبناء المنطقة، منذ أن سقطت بقبضتهم في الـ 12 من كانون الثاني عام 2014.

كل تلك الإعدامات التي طالت المسيحيين والشيعة والاسماعيلية والكرد ومن عارضهم من العرب، ساقت نحو تغيير التنوع السكاني، الذي طالما ميّز مدينة الطبقة عبر عقود من الزمن.

 بشاعة وظلم تلك المرحلة نسف كل قواعد العيش المشترك، وأكسب المدينة طابع الطيف الواحد، فطمسُ الهوية الثقافية والتراث الحضاري ركنٌ أساسيٌ في مبادئ داعش لإقامة دولته على أنقاض المناطق التي سيطر عليها، فارضاً رؤيته الثقافية والفكرية المتطرفة.

على خلفية كل ذلك شرع داعش بتوطين الآلاف من مرتزقته الذين توافدوا من كل أصقاع العالم في منازل من هجّرهم، ورحّلهم خارج مدينتهم، ففي هذه المدينة الصغيرة جغرافياً، بات المرتزقة يشكلون أكثر من نصف سكان المدينة، ومن بقي فهم الذين لم تُتح لهم سبل الهروب والنجاة من بطشهم.

وخضعت المدينة على مدار عام ونصف لسيطرة المرتزقة الآسيويين (أوزبكستان، التركستان والإيغور) والقادمين من جورجيا، الشيشان، داغستان، لتتحول الهيمنة بعد ذلك إلى المرتزقة التونسيين الذين حولوا سكان المدينة إلى ضحايا صراعات مركّبة بين التونسيين والمرتزقة الأجانب، دافعين أثمانها المؤلمة قتلاً وتشريداً.

أطماع إقليمية في المنطقة

نظراً للأهمية الاستراتيجية لمدينة الطبقة، أراد النظام السوري وبدعم إيراني وروسي السيطرة عليها، لذلك حاول في صيف 2016 السيطرة على المدينة انطلاقاً من المحور الجنوبي، إلا أن هذه المحاولة فشلت بعد تكبده خسائر فادحة على يد داعش، في ظروف عسكرية مبهمة وغامضة دفعت القوات المهاجمة إلى الانسحاب إلى نقطة الانطلاق بعد 72 ساعة، فاقدةً المئات من عناصرها منتصف شهر آب من العام نفسه.

ومع بداية عام 2017 أطلق النظام السوري بدعم روسي إيراني عملية عسكرية واسعة النطاق في الريف الشرقي لمدينة حلب، وسيطر فيها على بلدات "دير حافر، مسكنة"، في ظل انسحابات غير متوقعة لمرتزقة داعش، وبذلك بات على الحدود الإدارية لمنطقة الطبقة.

في الوقت الذي كانت فيه الدولة التركية تقدم الدعم لداعش من أجل محاربة الكرد، كانت تعيش قلقاً كبيراً، ومتخوفة من مصير ربيبه داعش، خصوصاً بعد التقدمات الكبيرة التي حققتها قوات سوريا الديمقراطية خلال "حملة غضب الفرات" التي بدأت في الـ 6 من تشرين الثاني 2016.

كيف تم تحرير الطبقة؟

في ظل التحديات والظروف الإقليمية الصعبة، أطلقت قوات سوريا الديمقراطية عملية عسكرية في الـ 21 من آذار عام 2017، وبعد مرور 50 يوماً من القتال البطولي سطر مقاتلوها ومقاتلاتها نصراً تاريخياً، وضع نهاية لحقبة سوداء بدأت بـ مرتزقة ما يسمى الجيش الحر وصولاً إلى مرتزقة داعش.

ففي 21 آذار نفذت هذه القوات وبدعم من التحالف الدولي عملية إنزال جوي على الضفة الغربية لنهر الفرات في ريف الطبقة، وبعد 4 أيام قُطعت طريق الطبقة – دمشق الدولي، وطريق حلب – الرقة.

وفي 26 آذار أحكمت قسد السيطرة على مطار الطبقة العسكري جنوب المدينة، وفي اليوم التالي علقت قوات سوريا الديمقراطية العملية 4 ساعات من الجهة الشمالية للمدينة أي عند سد الفرات، بغية إدخال عدد من المهندسين والمشرفين إلى جسم السد.                                                                      

وفي 31 آذار تحررت قرية الصفصافة المتاخمة لمدينة الطبقة من الجهة الشرقية، ليكون بذلك قد أطبق الحصار على المدينة بشكل كامل، وبعدها دخلت قوات سوريا الديمقراطية في اشتباكات مباشرة داخل المدينة، دامت حتى 10 أيار، لتعلن في هذا اليوم أن مدينة الطبقة باتت محررة بالكامل ولتكون الرقة قد أُطبق الحصار عليها من الجهتين الشمالية والغربية.

الطبقة .. نسيج اجتماعي يهيئ أرضية خصبة لمشروع الأمة الديمقراطية

يتميز مجتمع مدينة الطبقة بالتعدد والتنوع الأثني والديني والقبلي والطائفي، مشكّلاً قطعة موزاييك فسيفسائية ملونة وفريدة من نوعها، فهذا التعدد والتنوع والاختلاف كان وما يزال يسوده التآلف والتعايش والتسامح في بقعة جغرافية متنوعة التضاريس والأجناس والثقافات، والتي طالما كانت مصدر غنىً وإبداع.

ومنذ نشأتها في سبعينيات القرن الماضي وإلى يومها الحاضر، لازالت مدينة الطبقة تعرف بـ "سوريا الصغرى"، ففي هذه المدينة الصغيرة تجد نسيجاً اجتماعياً شكّله عشرات الآلاف من السكان الذين ينحدرون من كافة المدن والبلدات السورية، كل هذه المقومات أصبحت ركيزة أساسية في تطبيق مشروع الأمة الديمقراطية، وضمان نجاحه في أرضية كانت مسبقاً تجسد مساحة كبيرة من هذا المشروع، الذي أعاد التوازن الاجتماعي والسياسي إلى المنطقة بعد تحريرها.

سد الفرات أكسب الطبقة أهمية كبرى

وتنبع أهمية مدينة الطبقة من كونها تحتضن هذا السد الذي بدأ العمل به عام 1968، وانتهى بعد 5 سنوات، محتجزاً بحيرة يصل طولها إلى نحو 80 كيلومتراً، ومحيطها 200 كيلومتر، بحجم تخزين يصل إلى 14.1 مليار متر مكعب، وتتفرع منها قنوات مياه تروي مئات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية.

كما يولّد السد طاقة كهربائية كبيرة تصل إلى 2.5 مليار كيلوواط سنوياً، كانت تُزوّد بها مناطق واسعة في سورية، إذ كان سد الفرات من أهم مصادر الطاقة في سورية، قبل إنشاء مصادر أخرى في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، وبدايات الألفية الجديدة.

وبالتزامن مع اقتراب حملة غضب الفرات بقيادة قوات سوريا الديمقراطية إلى مدينة الطبقة وريفها، حوّل مرتزقة داعش السد إلى ترسانة عسكرية وعندما أدركوا أن تحرير السد قاب قوسين أو أدنى، عمدوا إلى تدمير مجموعات التوليد الثمانية، مما أدى إلى انقطاع الكهرباء بشكل كامل، بالإضافة إلى حرق مختبرات تحويل الكهرباء، وغمر غرف التحكم المتضمنة أجهزة ضواغط التعويض ومجموعة التوليد التي تممت (رفعت) المستوى من 232 إلى المستوى 250 أي ما يعادل 18 متر، بالإضافة إلى جعل السد حقل ألغام، وفق عدة تصريحات للإدارة العامة للسد.

وبعد مُضي قرابة 3 أعوام من العمل الدؤوب تمكن العاملون في سد الفرات من قطع أشواط طويلة، حققت إنجازات عظيمة، وأعادت إصلاح أكثر من 50 بالمئة من السد، وبحسب أحد المشرفين في السد، المهندس أحمد أوسو، فقد تم إدخال 4 مجموعات توليد في مجال الخدمة بطاقةٍ تصل لـ 400 ميغا واط، بينما لا تزال مجموعتان قيد الصيانة والإصلاح، في حين أن المجموعتان المتبقيتان ستبقيان خارج الخدمة لعدم إمكانية إصلاحهما، والحاجة إلى استبدالهما من قبل الشركة المصنعة حصراً.

وبهذه الإنجازات التي وُصفت بالمعجزة، بات سد الفرات اليوم يزود مدينتي الطبقة والرقة وأريافها بالطاقة الكهربائية إلى جانب عدد من مدن الجزيرة السورية، ويوفّر مياه الري لأكثر من 650 ألف هكتار من الأراضي الزراعية الممتدة على جانبي نهر الفرات وخلف السد.

ANHA


إقرأ أيضاً