فيروس كورونا يهزّ النظام العالمي !

منذ بدء أزمة فيروس كورونا، والتحليلات تتدفق بلا انقطاع حول مستقبل النظام العالمي "الرأسمالي" والواقع الذي صنعه لشعوب العالم، وجميعها اتفقت على أن "النظام العالمي بعد فيروس كورونا، ليس كما قبله".

وضعت أزمة فيروس "كورونا" النظام العالمي على المحك، بحسب توصيف محللين سياسيين، وأخضعته لاختبار حقيقي، تعامل معه بفشلٍ ذريع، توج هذا الفشل بما جرى تسميته "حرب الكمامات" وتقاذف الاتهامات بين الدول الغربية بعد استيلاء بعض الدول على شحنات كمامات طبية ومستلزمات كانت في طريقها إلى دولٍ أخرى.

"حرب الكمامات" بين الحلفاء!

نقلت قناة  BFMTV الفرنسية، أن مسؤولين فرنسيين قالوا: "إنّ مجموعة أميركية تعمل لصالح الحكومة الأميركية"، قدّمت سعراً أعلى بثلاث مرّات مما كان ستدفعه فرنسا وذلك "للسيطرة على شحنة من الأقنعة كانت ستُرسل من شنغهاي الصينية إلى باريس".

وفي وقتٍ سابق،  كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية، أن السلطات الألمانية اتهمت واشنطن "بالاستيلاء على 200 ألف قناع" كانت في طريقها من الصين إلى برلين، إذ جرى الاستيلاء على الشحنة في أحد مطارات تايلاند، بعد أن غيرت وجهتها إلى واشنطن.

وعلق وزير داخلية ولاية برلين، أندرياس غيزيل، على ذلك بالقول: "إن ما حصل وجه من أوجه القرصنة الحديثة... هذه ليست طريقة للتعامل مع الشركاء في حلف شمال الأطلسي. التصرف الأميركي متوحش".

كذلك، أعلن  وزير الصحة البرازيلي لويز هنريك مانديتا "أن محاولات إقليم برازيليا لشراء القفازات والكمامات من الصين، فشلت بعد أن أرسلت الولايات المتحدة أكبر طائرات الشحن الخاصة بها إلى الصين، لنقل المواد".

شذرات هذه الحرب، وصلت كندا أيضاً، بعد أن فرضت الإدارة الأمريكية على شركة "3 أم" المصنّعة للأقنعة وأجهزة التنفس، وأكبر المورّدين إلى كندا وأميركا اللاتينية، التوقف عن تصدير منتجاتها والالتزام بـ "قانون الإنتاج الدفاعي" لزيادة إنتاجها المحلي، أمام شح المستلزمات الطبية في الولايات المتحدة الأمريكية. 

فيما احتجزت الجمارك التركية طائرة محملة بأجهزة التنفس كانت في طريقها من الصين إلى إسبانيا، واستولت على أجهزة التنفس التي تحتاجها إسبانيا بشكل عاجل لوقف نزيف ضحايا الوباء الفتاك.

وفى التفاصيل اتهمت وزارة الخارجية الإسبانية، السلطات التركية بالاستيلاء على الطائرة التي تحمل 162 جهاز تنفس لعلاج مرضى كورونا، وقالت وزيرة الخارجية الإسبانية جونزاليس لايا - حسبما نقلت قناة (العربية) الإخبارية، يوم السبت - إن الحكومة التركية تحتجز في أنقرة شحنة من الإمدادات الطبية تم شراؤها من الصين قادمة لإسبانيا.

النظام الرأسمالي يتعامل مع المؤسسات الطبية كوسيلة ربحية

منذ بدء تفشي كورونا في العالم، لاحت في الأفق خصائص النظام الرأسمالي العالمي؛ مثلاً في أمريكا، باعتبارها رأساً للنظام العالمي الرأسمالي، يجري التعامل مع المؤسسات الطبية كوسيلة ربحية خالصة، لذلك كان من البسيط جداً رؤية الفقراء بلا رعاية طبية، وهو ما كشف الوجه القبيح للنظام الرأسمالي وبدأ الحديث يكثر حوله.

ويقول القائد عبد الله أوجلان في مجلد "المدنية الرأسمالية"، إن "تقنيات العلم والإنتاج كانت سابقاً منفصلة عن بعضها البعض، بحيث يتطور كل منهما في مجراه. لكنهما تكاتفا واتحدا لأول مرة تزامناً مع الثورة الصناعية. وبذلك خرج العلم من كونه هدفاً، ليسقط إلى مرتبة الأداة. إن أداتية العلم جلبت معها تردي المجتمع أيضاً".

ويضيف "الاحتكارات الرأسمالية هي مؤسسات تركز كل اهتمامها على فائض الإنتاج وفائض القيمة، فأينما تواجد فائض مكدس، تشم رائحته على الفور كالغربان وتتسلل إلى هناك....عندما يُفرض الربح على التصنيع، فإن كل شيء يخرج من أصوله.... ".

أما في مجلد "القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية" فيقول القائد عبد الله أوجلان إن الرأسمالية قامت بتوظيف التقدم التقني بشكل لا محدود في خدمة ميول الربح الأعظم لديها، ويتابع قائلاً "فكيفما أن نزعة الربح الأعظم أعادت تنظيم الدولة في هيئة الدولة القومية بصفتها وسيلة السلطة القصوى، فقد نظمت التحصن التقني أيضاً في الصناعوية كتعبير عن الاستخدام الهادف إلى الربح الأعظم..".

كورونا يعري النظام الرأسمالي ويظهر الحقائق

مع بدء تفشي فيروس كورونا في العالم، كانت الصين غارقة تمامًا في أزمة، بلا أفق للسيطرة عليه، لكن وفي غضون فترة قصيرة، استطاعت بكين السيطرة عملياً على تفشي الفيروس ومحاصرته ليس بقدراتها الاقتصادية وما تملكه من رأس المال، بل عبر الوعي المجتمعي، في مشهدٍ بدا أنه تتويجٌ لانتصار بكين في هذه المعركة.

وعلى الجانب الآخر، غرقت الدول الغربية، على رأسها إسبانيا وإيطاليا، ومن ثم أمريكا، وتكشف حجم الضعف في المنظومات الصحية والقطاعات الخدمية للدول صاحبة أقوى الاقتصادات في العالم والمتربعة على عرش الرأسمالية.

وفي هذا السياق يقول الكاتب الفلسطيني محمد أبو مهادي لوكالة أنباء هاوار بأن هناك عدة حقائق كشفها وباء كورونا، منها عجز الحكومات عن استقبال الحالات المصابة وفقدان الأجهزة والمعدات الطبية وغياب الاستعدادات لمثل هذه الكوارث وفشل السياسات التي اتبعتها لمعالجة الوباء، وترك البشر يراهنون على مناعتهم الشخصية.

والأهم بحسب أبو مهادي هو أن رأس  المال هو صانع القرار الأول في معظم البلدان، لذلك فهي ترى إنعاش الاقتصاد أهم بكثير من حياة البشر، وقال "شاهدنا هذا في جملة ممارسات سابقة قبل كورونا، فالاحتباس الحراري والتغيرات المناخية والحروب والفقر ونهب مقدرات الشعوب لصالح نخبة كبريات شركات النفط والسلاح شواهد على ذلك وليست كل الشواهد".

ويرى أبو مهادي أن "وحشية النظام الرأسمالي ستزداد فتكاً بالبشرية والضعفاء من الشعوب حتى تعوض خسائرها، وسيدخل هذا النظام غير العادل إلى طور أكثر همجية وجشعاً".

فيما يقدر الكاتب الفلسطيني ناصر شبات، خلال حديثه لوكالة أنباء هاوار، أن الأزمة عرت طبيعة النظام الرأسمالي القائم على نهب الشعوب، والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والمصلحة الأنانية التي تتطور وتقدم على مصالح الناس ومصالح الشعوب، على عكس النظام الاشتراكي.

وقال، إن النظام العالمي القائم على المشاريع الخاصة الهادفة لتعاظم الأرباح لطبقة واحدة، واجه اختباراً حقيقياً، عرى كل نقاط ضعفه.

وأضاف: "مثلاً، عندما جرى انتخاب ترامب، وجد الأخير، أن هناك الكثير من الدول تتطور وتتقدم على النظام الإنتاجي الأمريكي بينها: الصين، روسيا، كندا، أوروبا؛ وفي إطار تعزيز سطوتها على النظم العالمية، منعت أمريكا تارة دخول السلع من كندا وتارة أخرى خلقت حرباً تجارية مع الصين وليس بعيداً وضعت عراقيل وإغلاقات على الحدود مع المكسيك. كان الهدف من ذلك، التركيز على تعزيز رأسمال أمريكا، وترامب هو جزء من هذا الرأسمال، وكان لقراراته نزعة فردية باعتباره جزءاً من هذا النظام".

وأشار أن قرصنة الكمامات والإمدادات الطبية بعد أن دخلت أمريكا في أزمة حقيقية، أظهرت عجز النظام الرأسمالي، وأنه نظام مأزوم ويلجأ للقوة في تحقيق غاياته، وأظهر المفارقة الصعبة بين الانفاق الهائل على المجال العسكري والاقتصادي، مقابل الانفاق في المجالات الخدمية والعامة.

وأضاف: "النظام العالمي الحالي لا يحكم بمنظومة قيمية، وأمام ذلك، يدفع الفقراء والشعوب الفقيرة فاتورة هذه الأزمة التي وضعها النظام العالمي فيها".

ولفت إلى أنه بالإمكان ملاحظة، المفارقة، أن شعوباً كالشعب الفلسطيني في غزة الذي يتجاوز 2 مليون نسمة، يعد أجهزة التنفس على الأصابع، وهي اللازمة لمواجهة هذا الفيروس، في المقابل هناك دول تمتلك آلاف هذه الأجهزة، وعلى قدر الأزمة التي تتفشى فيها، إلا أنها تملك رأسمال ضخم يمكنها من التحرك عاجلاً أم آجلاً ومساعدتها في السيطرة على تفشي الفيروس، فيما الشعوب الفقيرة، تواجه الريح وتجلس بلا أي مقدرات طبية، في مثال واضح لما يهتم به النظام العالمي وهو المال لا الإنسان".

وأوضح أن هذه الأزمة، وضعت النظام العالمي، أمام حقيقة صعبة، هي: أن القوة تنطلق من المشاريع الخدمية والاجتماعية والصحية، لا من قوة السلاح، على سبيل المثال فقراء أمريكا، لا يجدون الدواء ولا تستقبلهم المستشفيات طالما لا يملكون المال وكذلك الحال في بعض الدول الأوروبية.

وتابع: "فيروس كورونا، مهد لإنتاج مرحلة جديدة وتغيير في مستوى النظام العالمي، ستكون الشعوب هي من تحدد نوع النظام العالمي، انطلاقاً من مستوى المشاريع الخدمية والطبية.

لا إمكانية لتطور الحداثة الرأسمالية والتغيير سيكون انطلاقاً من الشرق الأوسط

إن الاستراتيجية المبنية على تحقيق الربح الأعظم، وضعت الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الأوروبية الخاضعة للنظام الرأسمالي، في أزمة حقيقية، ولكن يتبادر إلى الأذهان السؤال التالي: من هذه الأزمة التي زعزعت ركائز النظام الدولي الراهن، هل سيولد نظام جديد؟

يتحدث القائد عبد الله أوجلان في مجلد "الدفاع عن شعب" حول إمكانية تطور نظام الحداثة الرأسمالية ويقول "ما من احتمال وارد في إمكانية تطوره أكثر من ذلك، سواء شكلاً أو مضموناً. إذ لم يتبق جانب أو زاوية إلا واستغلت في المجتمع والطبيعة على السواء. كل ما تم عمله، لم يتجاوز الناحية الكمية. وتحمل المجتمع لهذا التلاعب المفرط به يتأتى من تطبيق العنف عليه بأبعاد لا مثل لها، لدرجة تؤدي إلى تفجير الذرة إذا ما طبقت عليها. لم يحصل أن سار نظام آخر بهذا الكم من التداخل بين العنف والحرب... من الناحية الظاهرية، ما من أراضٍ أو مجتمعات جديدة يمكنها تجاوز الرأسمالية بزعامتها الأمريكية. فأوروبا تمر الآن بمرحلة النقد الذاتي إزاء التخريبات العظمى التي تسبب بها النظام الراهن. وهي مضطرة للاستمرار في هذا المنحى حتى الأخير. وفي أمريكا اللاتينية لا تتواجد الشروط التاريخية  ولا الاجتماعية  لتكون كأمريكا الثانية. لذا فمصيرها مرتبط بعاقبة أمريكا النهائية. وأفريقيا تعيش حالة مشابهة، لكن على نحو أكثر تخلفاً. أما غربي شواطئ الأوقيانوس (المحيط)، أي الصين واليابان، فبمقدورهما –بالأرجح- مساعدة أمريكا في تأمين سيرورة النظام. إذ لا تهدفان ولا تطمحان إلى رأسمالية خلاقة جديدة. ولا تمتلكان إمكانيات ذلك. لذا، يمكنهما أن تكونا مطبقتين لها بالشكل الأمثل. وروسيا معترفة بأن هزيمة السوفييات ذات بعد استراتيجي، وبالتالي اضطرت لقبول التقدم بمساندة أمريكا لها، كسياسة جديدة. لا يتبقى سوى الشرق الأوسط، البلاء. ليس مصادفة أن يكون الشرق الأوسط بلاءً مسلطاً على النظام القائم، بجغرافيته وثقافته. ذلك أن الحجرات والخلايا النواة للمجتمع تكمن هنا. هنا تستتر جذور بادئي الحضارة ومداوميها. وآلهتهم من هنا.... ما يمكنا قوله هو أن المستجدات الجارية في منطقة الشرق الأوسط، معنية ومرتبطة بتوجه النظام القائم نحو الانهيار والزوال، ولكن من الأخير. لهذا الغرض، فهي تستوجب تحليلات صائبة وسليمة، بحيث تتميز بدرجة قصوى من الأهمية. ونقاط الانكسار والتناقضات القائمة هي الساحات التي تتكثف فيها الفوضى وتتركز. تلعب هذه الساحات بالأرجح دور المهد ووظيفة الرحم الحامل بالجديد. هل ستصبح بقايا معابد الرهبان السومريين، التي شهدت سلفاً ولادة الحضارة، قبراً لها في هذه المرة؟".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً