خبير بالصراعات الدولية: سوريا جائزة جيوسياسية يجب كسبها والكرد يسعون لشرق أوسط جديد

قال الخبير الأمريكي الدكتور ثورو ريدكرو، إن سوريا رقعة شطرنج عالمية، وهي ليست مشكلة يجب حلها من وجهة نظر المتدخلين، بل جائزة جيوسياسية يجب كسبها، مؤكداً أن أفكار أوجلان توفر خريطة طريق ديمقراطية بديلة، وأضاف "سيكون الكرد أول دومينو يسعى إلى تشكيل شرق أوسط جديد للجميع".

دخلت الأزمة السورية عامها العاشر، وما زال الحل عصياً بسبب رغبة الأطراف المتدخلة في إطالة عمر هذه الأزمة للاستفادة منها إلى أقصى درجة وتقسيم سوريا، وتفتيتها في وقت يشتد فيه الصراع بين المتدخلين، وفي هذا السياق أجرت وكالتنا حواراً مع الخبير الأمريكي المختص بالصراعات الدولية والشأن الكردي الدكتور ثورو ريدكرو. وفيما يلي نص الحوار:

*مع دخول الأزمة السورية عامها العاشر. ما هي أبعاد الصراع الدولي في سورية؟

لسوء الحظ أصبحت سورية عبارة عن رقعة شطرنج عالمية، حيث قامت العديد من الدول انطلاقاً من مصالحها الجيوسياسية استخدام القوى بالوكالة. 

لا تريد الولايات المتحدة وروسيا وإيران خوض نزاع مفتوح مع بعضهم البعض في دولهم، فيستخدمون سوريا كساحة لاختبار إرادة والتزام بعضهم البعض، علاوة على ذلك، ترغب تركيا في توسيع مشروعها العثماني الجديد وتأمل في ضم شمال سوريا لأراضيها أو جعلها كشمال قبرص، وفي الوقت نفسه، تحاول الإدارة الذاتية إقامة شكلها الخاص من الحكم الذاتي المحلي المبني على رؤية متعددة الأعراق والمساواة بين الجنسين، وهي شكل خاص وفريد بالمقارنة مع المحيط الذي حولها.

*جميع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية في سوريا تعدّ مكافحة الإرهاب ذريعة، ولكن ما هي أهدافها الحقيقية؟

غالباً ما يكون مصطلح "إرهابي" غير مفيد، حيث يمكن أن يكون مرادفاً لـ "الخصم المسلح" ومع ذلك، إذا استوفت أي مجموعة التعريف كما هو مفهوم بشكل عام، فإن داعش والقاعدة (هيئة تحرير الشام ) سوف يتم تسليحهما ومساعدتهما من قبل الحكومة التركية في سوريا.

يمكن لمعظم الجماعات في سوريا في الوقت الحاضر أن تقول إنها تحارب الإرهاب من خلال محاربة أي من هاتين المجموعتين، على سبيل المثال قوات سوريا الديمقراطية /YPG / YPJ والجيش الأمريكي على حد سواء يقاتلون داعش، في حين تقاتل الحكومة السورية وروسيا القاعدة (هيئة تحرير الشام) في إدلب.

في هذه الأثناء، الدولة الوحيدة التي أقامت مواقع استيطانية في منطقة القاعدة ولا تقاتلها هي تركيا، حيث أن هيئة تحرير الشام هي في الأساس القوات البرية لتركيا في إدلب.

*على مرّ التاريخ كانت هناك حرب تركية إيرانية. ما هو تأثير الصراع التركي الإيراني على سوريا ومستقبل المنطقة؟

لن أقول أنه كانت هناك حرب بين البلدين، في الواقع أعتقد أن إيران هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تخشى تركيا، ولا أعتقد أنها يمكن أن تهزم تركيا في أي صراع مباشر.

بالطريقة نفسها لا يمكن للولايات المتحدة وروسيا أن تتحاربا بشكل علني، لأن كليهما يمتلك أسلحة نووية، تركيا وإيران تدركا أن قتال بعضهما البعض بشكل مباشر سيضر بشدة بالدولتين، لذلك تتقاتلان في المنطقة عبر طرف ثالث من خلال القوات بالوكالة (إيران لديها حزب الله والميليشيات الشيعية، في حين أن تركيا لديها العديد من الجماعات الجهادية مثل القاعدة، هيئة تحرير الشام وبقايا داعش المهزومة التي شكلوها في ما يسمى "الجيش الوطني السوري").

*يسعى أردوغان إلى إقامة وقيادة دولة سنية في المنطقة والتي تشمل أجزاء من سوريا. لماذا لا يقطع المجتمع الدولي الطريق أمامه، أم هناك اتجاه دولي لإعادة رسم المنطقة مرة أخرى؟

نهب الجيش التركي القاعدة الصناعية في حلب في وقت مبكر جداً من الصراع، وبمجرد أن أدرك أن حكومة الأسد لن يتم الإطاحة بها، كانت خطته "ب" هي ببساطة الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي إما لتشكيل "دولة دمية" مثل شمال قبرص، أو ضم وسرقة الأراضي مباشرة من سوريا كما فعل تاريخياً مع هاتاي (لواء اسكندرون) في حال إذا غضت واشنطن نظرها عن ذلك، وكذلك في حال عدم مساعدة موسكو لحكومة دمشق بخصوص طرد تركيا من الأراضي السورية التي احتلتها بشكل غير شرعي.

يجب أن أضيف أن تركيا أرادت أيضاً منع "روج آفا" أو الإدارة الذاتية في وقت مبكر من الوصول إلى البحر عبر غزوها لمدينة عفرين ودعم الجماعات الجهادية في إدلب.

*لماذا لم تحل الأزمة السورية بعد؟ ما هو تأثير الصراع الدولي على شكل الشرق الأوسط بشكل عام؟

سوريا ليست مشكلة يجب حلها، بل هي جائزة جيوسياسية يجب كسبها، كانت الولايات المتحدة تأمل في منع روسيا من الحصول على القاعدة البحرية الوحيدة على البحر الأبيض المتوسط في طرطوس من خلال الإطاحة بالأسد، لكن هذه الخطة باءت بالفشل، وبالمثل، تحاول الحكومة السورية منع الولايات المتحدة من الحصول على أي مهابط طائرات أو قواعد في شرق سوريا داخل المناطق الكردية، والتي تأمل الولايات المتحدة في استخدامها لمواجهة النفوذ الإقليمي الإيراني وما يسمى "الطريق السريع الشيعي" من بيروت إلى طهران.

يحدث هذا أيضاً في الصورة الأوسع لمعركة واسعة النطاق من أجل التأثير عبر الشرق الأوسط بين 3 فصائل، الفصيل الأول هو إيران وسوريا وحزب الله والحوثيين في اليمن، الفصيل الثاني المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن، الفصيل الثالث تركيا وقطر وأذربيجان. فالإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية (SDF) في سوريا محايدة مع الفصيل 1، وتكتسب الدعم مع الفصيل 2، وفي حالة حرب مع الفصيل 3. وفي الوقت نفسه تدعم روسيا الفصيل 1، وتدعم الولايات المتحدة الفصيل 2، وكلاهما (روسيا والولايات المتحدة) يحاولان في بعض الأحيان كسب الفصيل 3.

*كردياً، إلى متى سيستمر النزاع الكردي التركي؟ ما هي الأهداف الرئيسية لتركيا لشن هجمات على المناطق ذات الأغلبية الكردية في شمال وشرق سوريا؟

سيستمر الصراع الكردي طالما أن أكثر من 40 مليون كردي في تركيا وسوريا والعراق وإيران ليس لديهم حقوق متساوية في الوجود ككرد، إما عن طريق الحكم الذاتي أو الاستقلال في جميع المناطق التي يعيشون فيها.

بخصوص دوافع تركيا العدوانية تجاه الكرد هي أولاً أن لديهم مخاوف عميقة جداً من قيام أكثر من 20 مليون كردي داخل تركيا بالعمل بشكل جماعي ضد استمرار احتلالهم، ويمتد هذا الخوف إلى سوريا، حيث يخشون من أن الكرد في تركيا سيستلهمون من ما قام به كرد سورية من حكم ذاتي، ويريدون إقامة حكم محلي بطريقة مماثلة.

*ارتكبت تركيا انتهاكات جسيمة ضد الكرد في سوريا خلال هجماتها على عفرين وسريه كانيه وتل أبيض وتسببت في تشريد الكرد من أراضيهم. لماذا لا تتم محاسبتها دولياً بالرغم من جميع المستندات والأدلة؟

إن تركيا لا تخضع للمساءلة لأنها في حلف شمال الأطلسي، مما يعني أنها يمكن أن تنفذ جرائم حرب وأن تكون محمية من المسائلة، كما أن وسائل الإعلام الأمريكية والغربية لا تغطي جرائم الحرب التركية بنفس الطريقة التي تغطي بها جرائم النظام السوري، لأنها لا تتناسب مع الأهداف الجيوسياسية للجيش الأمريكي.

تدرك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا أنه إذا تمت محاسبة تركيا على جرائم الحرب، فإن الولايات المتحدة التي تبيعها الطائرات، والمملكة المتحدة التي تبيعها الصواريخ، وألمانيا التي تبيعها الدبابات ستكون مذنبة أيضاً.

*ما هو دور القوى العالمية في تأجيج الصراع الكردي التركي؟ ولماذا لا تلعب الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية دورهما في حل القضية الكردية؟

إن حاجة تركيا المستمرة إلى الأسلحة لاستخدامها في قتالها ضد الكرد هو أمر جيد بالنسبة للذين يعملون في تجارة الأسلحة، ويجلب على  دول الناتو الكثير من المال، هذه هي العقبة الأولى.

كما تشعر الولايات المتحدة بالقلق من أنها إذا أجبرت تركيا على التوقف عن قمع الكرد، فإن الحكومة التركية ستعيد تنظيم نفسها مع روسيا بدلاً من حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي من شأنه أن يدمر خطة الناتو لإبقاء روسيا حبيسة البحر الأسود عبر مضيق البوسفور.

أما بالنسبة للأمم المتحدة، فإنهم ليسوا مهتمين بحل القضية الكردية، كما أنهم سيضطرون أيضاً إلى حل قضية التاميل، والبلوش في إيران، والصحراء الغربية في المغرب، وبابوا الغربية في أندونيسيا، و أمبازونيا في الكاميرون، والباسك، والهزارة في أفغانستان إلخ...

إذ تنكر العديد من الدول في جميع أنحاء العالم تقرير المصير للدول الجديدة لأنهم يعرفون أنه قد ينطبق أيضاً على مجموعات مشابهة داخل دولهم هذا صندوق يخشون فتحه.

*لماذا لا يستجيب المجتمع الدولي لمقترحات أوجلان لحل القضية الكردية سياسياً بعيداً عن العسكرة؟ هل لهذا علاقة بمشروع الشرق الأوسط الكبير؟

تشكل أفكار أوجلان تهديداً لكل دولة في الشرق الأوسط لأنها توفر خريطة طريق ديمقراطية بديلة لكيفية أن تحكم الفسيفساء المتعددة الأعراق في المنطقة نفسها بنفسها ذاتياً، مما يهدد جميع الأنظمة الاستبدادية والعائلات المالكة، والتي تتعامل مع سكانها كحسابات مصرفية شخصية.

ويبين لنا التاريخ أن السلطة لا تتخلى عن قبضتها بسهولة، بل تكرس سطوتها بالقوة، لحسن الحظ فإن حركة تحرير كردستان لديها أفكار وأسلحة.

*كيف يؤثر حل القضية الكردية على مشاكل الشرق الأوسط؟

سيكون لحل القضية الكردية آثار هائلة على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، حيث ترغب العديد من الجماعات الكردية في عرض نموذج ديمقراطي بديل للحكم والدفاع عن أفكار مثل الحرية الدينية والمساواة بين الجنسين، والتي تفتقر إليها المنطقة.

يُنظر إليها على أنها قضية كردية، لكنها حقاً قضية في قضايا الشرق الأوسط، حيث أن النموذج الذي يريده الكرد سوف يجذب أيضاً العديد من الأعراق في الشرق الأوسط لأنه يعتمد على السكان المحليين الذين يديرون هم مصيرهم ويروجون لمستقبل جماعي مستدام، سيكون الكرد أول دومينو يسعى إلى تشكيل شرق أوسط جديد للجميع.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً