كوباني والمقاومة التي جمعت الكردستانيين والعالم دفاعًا عن الإنسانية

أثبتت المقاومة التي دارت تفاصيلها التاريخية بين أزقة وشوارع مدينة كوباني أن العالم يستطيع الاتحاد للدفاع عن الإنسانية، وأن الكردستانيين يستطيعون الاتحاد من أجل الدفاع عن القضية، وأن الإرادة الصلبة وثقافة الارتباط بالأرض هي التي تصنع الانتصار.

قبل أعوام من الآن، وتحديدًا في الـ 26 من كانون الثاني/ يناير عام 2015، أعلن المقاومون في مدينة كوباني انتصارهم على داعش.

'في كوباني انتصرت الإنسانية على الإرهاب'

لكن ذلك لم يكن مجرد انتصار، ففي كوباني انتصرت الإنسانية على الإرهاب، وأزيلت الحدود ليتحد العالم في مواجهة أحد أكبر المخاطر على الإطلاق في العقود الأخيرة، وظهرت ملامح اتحاد كردستاني، كان الهدف منه حماية الأرض والدفاع عن القضية، كما وضع العرب يدهم بيد الكرد، وأزالوا كل مفاهيم العنصرية والشوفينية التي صنعتها الأنظمة الحاكمة، ليتحقق النصر التاريخي في مدينة كوباني.

'وحدة الكرد والعرب في كوباني'

في سوريا كان اللعب على الوتر العرقي والطائفي هو سيد المشهد منذ بداية الصراع في البلاد عام 2011، وكان ذلك سببًا في سفك دماء الآلاف، والصراع الذي ما يزال محتدمًا يطحن البشر والحجر.

لكن قبل 6 أعوام وداخل أسوار مدينة كوباني، أثبت الكرد والعرب أن علاقتهم التاريخية لن تتأثر بدعايات تُبَث من الخارج، وقد كانت غرفة عمليات "بركان الفرات" التي ضمت فصائل عسكرية عربية إلى جانب وحدات حماية الشعب والمرأة تحمل راية قيادة المعارك ضد داعش.

يقول عضو المجلس التنفيذي لحزب الاتحاد الديمقراطي في إقليم الفرات أحمد شيخو إن "أعداء الحرية أرادوا أن يقضوا على النهوض الفكري للشعب السوري عبر بث الأفكار المتطرفة للحصول على مآربهم، وقد حصلوا على الحاضنة المتطرفة في بعض الأماكن، لكن شعب كوباني رفض ارتداء السواد، لذلك بدأت هذه المقاومة ووصلت إلى النصر الحالي".

وأضاف "لأن مشروع الأمة الديمقراطية والأفكار التي قامت عليه من تعايش مشترك وأخوة الشعوب المتمثلين بالإدارة الذاتية كان متناقضة تمامًا مع التطرف والفكر الإرهابي، أرادوا القضاء عليه قبل أن يبزغ النور، حيث في اعتقادهم أن مفتاح الإدارة الذاتية هي مدينة كوباني، لذلك قصدوا هذه المدينة دون غيرها في محاولة منهم القضاء على الفكر الحر".

'إعصار الدعم من الشمال'

عندما سقطت القرى، الواحدة تلو الأخرى في يد داعش، وتعاظم الخطر على المدينة وسكانها، أطلق القائد عبدالله أوجلان من سجن جزيرة إمرالي التركية نداءً أعلن فيه النفير العام، ودعا الكردستانيين جميعًا للانتفاض ودعم كوباني وعدم السماح لداعش باحتلالها.

فكان ذلك الأمر إيذانًا ببدء انتفاضة شعبية قادها الكرد في مدن باكور كردستان (شمال كردستان) وتركيا، إذ خرج الآلاف إلى الشوارع لمطالبة الدولة التركية برفع الحصار من جانبها عن مدينة كوباني، والسماح للمقاتلين المتبقين داخل أسوار المدينة بتلقي الدعم من الشمال.

وفي تلك الانتفاضة استُشهد عدد من المنتفضين نتيجة هجوم الجهات الأمنية، والآن تقوم الحكومة التركية بشن حملات اعتقال بحق الشخصيات البارزة التي شاركت في تلك الفعاليات الداعمة لمقاومة كوباني.

آنذاك، عبر عشرات الشباب الحدود والتحقوا بالمقاومة دفاعًا عن كوباني في مواجهة داعش، كما بقي المئات يحرسون الحدود شمال المدينة خشية أن يسعى داعش إلى التسلل شمالًا لإحكام الحصار على المدينة.

ويؤكد قادة المعركة في كوباني أن الدعم الذي جاء من الشمال لعب دورًا مؤثرًا للغاية في تحقيق الانتصار على داعش داخل مدينة كوباني.

يقول عضو الهيئة الرئاسية المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، صالح مسلم، حول هذا الموضوع "بحجم انتصارنا في كوباني، أصبح جرح العدو بليغًا، وكما ترون الآن هناك مطاردة في تركيا بعد 6 سنوات من مقاومة كوباني، حيث تقوم السلطات التركية باعتقال كل من ناصر مقاومة المدينة، ومن نظم المظاهرات وشارك فيها، ومن وقف على الحدود إلى جانب الشعب الكردي في كوباني، وبالقدر الذي كنا فيه فرحين بالنصر الذي حققناه على الأرض، فقد أغضب هذا النصر عدو الشعب والحريات والحقوق والإنسانية".

'حزب العمال الكردستاني يدافع عن الإنسانية في وجه الإرهاب في كوباني'

توجه مئات المقاتلين من حزب العمال الكردستاني إلى مدينة كوباني للانخراط في المقاومة ضد داعش لإلحاق الهزيمة به، كما فعل في شنكال.

وكان هؤلاء المقاتلين، الذين يعرفون باسم "الكريلا"، قد لبوا نداء الاستغاثة الذي أطلقه أهالي قضاء شنكال في جنوب كردستان قبل معركة كوباني بأسابيع عدة، بعدما انسحبت قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني، وتركت شعب شنكال يواجه الفرمان الـ 73 الذي يتعرض له الإيزيديون.

وتمكن مقاتلو الكريلا حينها من إنقاذ آلاف الإيزيديين، وكانت ساحة المعركة التالية بالنسبة لهم هي كوباني.

يقول عضو الهيئة الرئاسية المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، صالح مسلم "لكي تكون كوباني حقيقة مطلقة في النضال أمام القوى الظلامية كان لا بد للعالم كله أن يتضامن، ناهيك عن الأحزاب والقوى السياسية والعسكرية التي وقفت إلى جانب المدينة المدافعة عن الإنسانية جمعاء".

وأضاف صالح مسلم "المدافعون عن الإنسانية والحرية في العالم كله وقفوا الى جانب كوباني، وليس الأخوة الكرد فحسب، ولكن الأخوة الكرد قدموا الشهداء وضحوا بأرواحهم من أجل تحقيق هذه الغاية وتوحيد الشعوب ورفع راية الديمقراطية والحرية".

وأشار مسلم إلى أن "المشروع الديمقراطي وأخوة الشعوب والأهداف السامية هي التي جعلت الأحزاب الكردية تدخل في مقاومة الشعب الكردي، وهذا لا يمكن لأحد أن ينكره، وكان حزب العمال الكردستاني أكثر الداعمين لمقاومة كوباني، وهو الذي دافع عن كركوك وعن شنكال كما دافع عن كوباني، وهذا أمر جلل، أن يدفع حزب كردي 4 آلاف شهيد في سبيل تحرير شعوب شمال وشرق سوريا ونصرتهم، ولكل شهيد من هؤلاء الشهداء تاريخ برمته".

وأكد أنهم كانوا يريدون من كافة الأحزاب الكردية أن تستنفر لحماية كوباني، ولا يزالون إلى الآن يحتاجون الى دعم هذه الأحزاب الكردية.

وتابع قائلًا "هم أخوتنا ونحن أحوج إليهم من أي طرف آخر، وأنا أخص بالذكر الكريلا، لأن الكريلا تضم في صفوفها مقاتلين ومقاتلات من أجزاء كردستان الأربعة، وهذا ما يعطيها الحق في الدفاع عن أرضنا، أينما احتاج إليهم إخوتهم وعلاقتنا بهم حتى اللحظة علاقة لا يمكننا إنكارها، لأن علاقتنا بهم هي بقدر العلاقة التي تربطنا بهم كأخوة كرد وأصحاب أرض".

العالم يزحف نحو كوباني!

عندما سقطت الموصل والرقة، وهُزم الجيشان العراقي والسوري في أكثر من معركة، وانتشرت مشاهد الدم وأشلاء الجثث بين أيدي عناصر داعش، وقف العالم مفزوعًا أمام هول المشهد، وعاجزًا أمام الغول الذي كان يكبر.

لكن عندما أوقف العشرات من المقاتلين الكرد والعرب ذلك الإعصار داخل شوارع مدينة كوباني ببضع بندقيات أكلها الصدأ، عاد الأمل إلى العالم، وبدأت بوادر وحدة إنسانية تتشكل حول كوباني.

فكان الدعم الجوي الذي قدّمه التحالف الدولي لمحاربة داعش في سوريا والعراق نتيجة المقاومة التاريخية في كوباني، بالإضافة إلى أن شبانًا أمميين جاؤوا من بلدان مختلفة من العالم، وشاركوا في مقاومة كوباني لتصبح مقاومة العالم ضد الإرهاب، وليس فقط مقاومة شعب مدينة ضد مجموعة مسلحة معينة.

يقول عضو المجلس التنفيذي لحزب الاتحاد الديمقراطي في إقليم الفرات، أحمد شيخو، حول هذا الموضوع إن "داعش لم يكن فقط قوة عسكرية تهاجم منطقة معينة في أي جزء من هذا العالم، بل كان الهجوم تعدي الراديكالية الميتافيزيقية على الحضارة الإنسانية والفكر الحر النقي الخالي من الشوائب الوحشية، وهذا ما دفع العالم إلى التضامن مع المدينة المراد احتلالها".

أما صالح مسلم، فيقول إن "ما جرى في كوباني لم يجر في باقي المناطق والمدن، فالموصل مثلًا، وعلى الرغم من اتساع مساحتها الجغرافية، لم تقف أمام داعش لأكثر من 4 ساعات، وكذلك الرقة، لكن ما جرى في كوباني كان أشبه بالصدمة للعالم أجمع، وحتى الشعب الكردي، وهذا ما جعل العالم يقف إلى جانب كوباني، وجعل لهذه المدينة هذا الصدى الكبير في أرجاء العالم كله".

'كوباني مضرب المثل'

وأضاف أن "هذه المقاومة جعلت من كوباني مضربًا للمثل عند العديد من شعوب المنطقة".

وقد تُوّج هذا الدعم العالمي بيوم التضامن العالمي مع مقاومة كوباني الذي اختير ليكون يوم الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام.

'بوادر التحام كردستاني داخل أسوار كوباني'

مئات الشبان والشابات من أرجاء كردستان الأربعة ومن المدن الكردية في سوريا توجهوا إلى كوباني للدفاع عنها، منهم من تمكن من اجتياز الحدود والانخراط في صفوف المقاتلين داخل أحياء المدينة، ومنهم من بقي على الأسوار مشكلين سلسلة بشرية طيلة فترة الحرب على كوباني.

جمع المقاتلين وتوحيد صفوفهم لم يكن بالأمر العصيب، فالرفض الذي في داخلهم الذي يُجمع على عدم التفريط بالأرض، وعدم تقبّل التنظيمات الإرهابية، جعل من المقاتلين يدًا واحدة وروحًا واحدة حتى تمكنوا من الصبر الى أن حققوا نصره.

لقد فرضت المقاومة على الشعب الكردي أن يتحد، فقد علم الكرد أن كوباني لا يمكن التفريط بها، وجعلت العالم يدرك بالنضال الكردي السياسي والعسكري أمام المرتزقة.

كما كان عبور وحدات من البيشمركة، وبالأخص بيشمركة الاتحاد الوطني الكردستاني إلى كوباني، وتقديمها السلاح والغطاء المدفعي للمقاومين في كوباني، دور لافت في تحقيق الانتصار، وقد أثبت ذلك أن الكرد بإمكانهم الاتحاد إذا ما واجهوا مخاطر مصيرية.

'الإرادة وثقافة الارتباط بالأرض انتصرتا في كوباني'

على الرغم من مرور سنوات عدة، إلا أن الكثيرين ما يزالون يتساءلون عن العوامل التي دفعت المقاومة في كوباني إلى الانتصار.

وقد برزت لدى المقاومين الذين بقوا داخل أسوار المدينة الإرادة الصلبة في تلك المقاومة، فرفضوا تسليم المدينة، ومنهم من قاتل حتى الرمق الأخير، وكانت العملية الفدائية التي نفذتها آرين ميركان وريفانا وزوزان وإيريش مثالٌ حيٌّ على ذلك.

يقول الرئيس المشترك لمكتب العلاقات الدبلوماسية في حزب الاتحاد الديمقراطي في إقليم الفرات، بكر حج عيسى، إن "ما جرى في كوباني كان التاريخ يراه للمرة الأولى".

وعبّر عن رفضه إجراء مقارنة بين مقاومة كوباني وما جرى في مدينة ستالينغراد الروسية، وقال "هذا أمرٌ خاطئ فستالينغراد لم تكن محاصرة، ثم إنه كان هناك مساواة في القوة بين المهاجم والمدافع، بينما كوباني كانت محاصرة من كل الجهات، حتى إن تركيا عندما عجز مرتزقة داعش عن الدخول إلى المدينة، أرسلت المفخخات عبر حدودها من المعبر الشمالي للمدينة".

وقال حج عيسى إن "بروبوغاندا إعلامية ضخمة كانت تخدم داعش جعلته في وقتها شيئًا مرعبًا لدى شعوب المنطقة ولدى جيوش دول المنطقة أيضًا، هذه الدعاية الإعلامية هي التي منحت داعش النصر في الموصل والرقة وغيرها من المدن السورية والعراقية، وهذه بالتحديد هي الخاصية التي ميّزت مدينة كوباني عن غيرها من المدن الشرق أوسطية، ففي كوباني كسرت هذه الدعاية الإعلامية، وبان زيفها وظهرت حقيقتها الملوثة عبر مقاومة لم يكن لها نظير في تاريخ البشرية".

ويؤكد أن ما جرى في كوباني كان "مقاومة لا يمكن وصفها ببعض الكلمات".

(ج)

ANHA


إقرأ أيضاً