رئيس الهيئة الدبلوماسية لحركة المجتمع الكردستاني يقترح الإدارة الذاتية حلاً لأزمات العراق العميقة

اقترح رئيس الهيئة الدبلوماسية لحركة المجتمع الكردستاني (حركة الحرية) حسين كركوكي، اتباع نمط الإدارة الذاتية في العراق لتجاوز أزماته العميقة، حيث يرزح البلد المتعدد القوميات والأديان والمذاهب تحت وطأة أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية.

يشهد العراق أزمة سياسية، وغضباً جماهيرياً كبيراً على خلفية الصراعات السياسية الضيقة وعدم تشكيل حكومة تستطيع إخراجه من مأزقه الحالي، فعلى غرار بغداد، شهدت مناطق كردستانية في باشور (جنوب كردستان) تظاهرات؛ تنديداً بفساد حكومة هولير. وهذه التظاهرات ليست وليدة الحاضر، إنما هي نتيجة السياسة العائلية المتبعة في باشور.

وبحسب التقارير الدولية، فإن العائلة الحاكمة في جنوب كردستان (عائلة البارزاني)، لديها أرصدة تقدر بملايين الدولارات في البنوك الدولية، ناهيك عن العقارات والمنازل الفخمة في أميركا وسويسرا وفرنسا.

السبب الرئيسي للأزمة العراقية

ويرى رئيس الهيئة الدبلوماسية لحركة المجتمع الكردستاني (حركة الحرية) حسين كركوكي، أن حل الأزمة العراقية يحتاج إلى إرادة وإدارة تمتلكان القرار السياسي الجريء. موضحاً "أن السبب الرئيس للاحتجاجات العراقية هو سياسة الأحزاب الحاكمة بعد سقوط النظام السابق عام 2003".

أشار حسين كركوكي إلى أن الشعب العراقي كان يأمل أن تقود الأحزاب السياسية الدولة نحو الديمقراطية وبناء المؤسسات، وتلتزم بالدستور العراقي، وأن يكون هناك تعايش بين المكونات القومية والدينية والمذهبية، وإخراج العراق من قوقعة النظام الأحادي ومن التدهور الاقتصادي والنظام الديكتاتوري"، وأضاف " إلا أن هذه الأحزاب لم تستطع بناء تلك الدولة".

وبيّن أن الأحزاب السياسية في العراق تعمل على طرفين. الأول يعمل بموجب العقلية الحزبية الضيقة ويتعامل وفق مصالحه، والثاني بموجب برامج وأجندات الدول الخارجية، كتركيا بالدرجة الأولى وإيران، وأميركا التي لديها وجود عسكري في العراق.

أكد كركوكي أن الأحزاب السياسية في العراق "لم تستطع الإيفاء بالوعد الذي قطعته للشعب العراقي، لا في انتخابات عام 2005 ولا في انتخابات 2010 ولا حتى في انتخابات عام 2014 وصولاً إلى انتخابات عام 2021.

 وتابع في السياق ذاته: "تأزم الوضع العراقي يوماً بعد يوم، هناك سوء في الإدارة وملفات الفساد الإدارية، وهناك خلل في النظام والمنظومة الدفاعية والأمنية، وأيضاً هناك خلل في إدارة الدولة وكيفية بناء مؤسسات وتوزيع الثروات الغنية في العراق وفي إقليم كردستان على الشعب العراقي، وهناك صراعات حزبية يومية بين الأحزاب المنتفعة داخل إقليم كردستان والعراق".

وأوضح كركوكي أن الشعب العراقي وثِق بالأحزاب السياسية عام 2005 و2010 ومنحها صوته في العراق وفي إقليم كردستان، إلا أن هذه الأحزاب لم تحقق آماله، ولم تتمكن من إخراج العراق من مأزقه. وتدهور الوضع العراقي بشكل أكبر بعد عام 2014، عندما هاجم داعش وانهارت المنظومة الدفاعية والأمنية فيه.

تطرق كركوكي إلى مكامن الخلل في العراق، وقال: "الخلل في إدارة الدولة وتوزيع الثروات والفساد المتفشي في كل مؤسسات الدولة أدى إلى سقوط الكثير من الأراضي العراقية بيد مرتزقة داعش، ولم تستطع القوات العراقية الدفاع عن أراضيها، ورجع العراق إلى ما كان عليه عام 2003".

مشيراً إلى أنه وبعد تحرير المناطق التي سقطت في يد داعش، بجهود القوات العراقية وقوات البيشمركة وقوات الكريلا في كركوك والموصل وفي شنكال، عادت العقلية الحزبية إلى منوالها القديم. وحاولت تمرير الانتخابات عام 2014 وأيضاً انتخابات عام 2018، والتغيير الذي حصل هو مقاطعة الشعب لتلك الانتخابات، وقال: "شهدنا غضباً شعبياً جماهيراً عام 2019 ضد تلك الأحزاب، وحاولت مجموعة من الشباب ـ سموا أنفسهم بثوار تشرين ـ تغيير النظام السياسي، وكانت لديهم مطالب سياسية، منها تعديل الدستور واستقالة الحكومة وتغيير النظام من البرلمان إلى الرئاسة، وأن تكون الميليشيات والقوى العسكرية التابعة للأحزاب جزءاً من النظام العسكري وليس نظاماً حزبياً، وعليه قدم رئيس الحكومة عبد المهدي استقالته، وتم تغيير النظام الانتخابي في دوائر متعددة. لم يكن الجماهير أو الثوار "تشرين" منظمين تحت خيمة واحدة، ولم تكن لديهم رؤية وبرنامج سياسي موحد؛ لذلك لم تكن لديهم بصمة في الانتخابات، ولذلك عادت الأحزاب السياسية السابقة إلى سدة السلطة عبر ميليشياتها، على الرغم من المقاطعة الجماهيرية في العراق وإقليم كردستان".

الصراعات الحزبية فتحت الأبواب أمام التدخلات الخارجية وفي مقدمتها تركيا

كشف كركوكي أن الصراعات الحزبية الضيقة فتحت الأبواب أمام التدخلات الخارجية والإقليمية، وخاصة التركية، التي بنت معسكرات في إقليم كردستان، وحوّلت سفارتها وقنصلياتها في كركوك والموصل إلى مراكز تجسسية، كما دعمت إيران التي لديها مصالح في العراق الأحزاب الموالية لها، وأسست قوى عسكرية تتبع لها.

وتطرق إلى الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، وأوضح أنها نالت مباركة ممثل الأمم المتحدة والسفارة الأميركية والبريطانية والجامعة العربية وكل الدول العالم التي لديها مصلحة مع الأحزاب الحاكمة في العراق، وقالت إنها انتخابات ديمقراطية؛ ولكن الشعب قاطع الانتخابات بشكل كبير ولم يعترف بها.

ونوّه كركوكي إلى أن الأحزاب لم تتفق على شخصية رئيس الجمهورية التي هي من حصة المكون الكردي بعد الانتخابات، وقال: "رأينا الخلافات داخل البيت الكردي وداخل البيت السني وداخل البيت الشيعي، نتيجة المصالح الحزبية التي أثرت على الشعب العراقي من الناحية الاقتصادية والتعليمية والصحية والخدمات اليومية والعيش الكريم".

كركوكي أكد أن الغضب الجماهيري الذي يشهده العراق الآن هو نتيجة عدم استماع الأحزاب السياسية لصوت الجماهير ومطالب الشعب، لذلك ازداد الغضب الشعبي يوماً بعد آخر، وقال: "التظاهرات الأخيرة التي خرجت من قبل التيار الصدري، شارك فيها ثوار تشرين والكثير من القوى الديمقراطية واليسارية المؤمنة بالتعايش السلمي في العراق، وهي ضد العقلية الحزبية الضيقة في إقليم كردستان والعراق".

وضع جنوب كردستان

تطرق كركوكي إلى وضع جنوب كردستان، وقال: "بالنظر إلى وضع إقليم كردستان هناك فساد في الإقليم من حيث إدارة ملف النفط والملف الأمني والاقتصادي. هناك إدارتان في إقليم كردستان، الأولى في يد الحزب الديمقراطي في أربيل ودهوك ورابرين وكرميان والسليمانية في يد الاتحاد الوطني، هذه العقلية كانت السبب في عدم تحوّل الإقليم إلى نموذج يحتذى به في العراق، ونشبت خلافات مع العراق حول ما يسمى بمناطق 140، ككركوك ودسخورمات وخانقين وشنكال، وهذه المناطق أصبحت ضحية عقلية المصالح الحزبية، لأنها غنية بالثروات المعدنية والثروات الباطنية والتنوع المجتمعي المليء بالقوميات والمذاهب والأديان".

بيّن كركوكي أن الدولة العراقية كانت تريد أن تكون المناطق المتنازع عليها ذات لون واحد، إلا أنها لم تستطع تحقيق ذلك في بادئ الأمر، وبعد هجمات داعش ودفاع قوات الكريلا والبيشمركة في جبهة واحدة ضده، لم تتمكن الأحزاب الكردية المتمثلة في الاتحاد الوطني والديمقراطي من إدارة تلك المناطق، لأنها أرادت فرض نظرية الدولة العراقية، ما أدى إلى تدهور الوضع الأمني والاقتصادي، ونشبت خلافات بين المكونات، وقال: "هذه الأحزاب مسؤولة عمّ جرى في كركوك".

أكد كركوكي أن العمر السياسي لجنوب كردستان أكبر من الحكومة العراقية الحالية؛ لأن الحكومة في إقليم كردستان تأسست عام 1992، أي بعد انسحاب قوات النظام السابق من جنوب كردستان وبعد تأسيس خط الحماية الدولية، وقال: "طبعاً الأحزاب السياسية في جنوب الإقليم لم تستطع بناء المؤسسات كما هو الحال في العراق، ولا كيفية إدارة الملف النفطي في إقليم كردستان، والسبب هو الحرب الداخلية والتدخلات الإقليمية، وخاصة التركية في شؤون إقليم كردستان وتأسيس إدارتين في إقليم كردستان وعدم سماع صوت الجماهير، كل ذلك لم يسمح بإصلاح تلك الأمور الإدارية والأمنية والاقتصادية".

كركوكي نوّه إلى فشل المؤسسات في جنوب كردستان "هناك فشل في إدارة المؤسسات الحكومية في جنوب كردستان، وفي إدارة الملف النفطي، وفي الملف الأمني، وفي كيفية توزيع الثروات الغنية في جنوب كردستان على الشعب، وفي بناء المؤسسات وقطع البرنامج والأيدي الخارجية التي تعزز التفرقة بين أبناء الشعب وبين الأحزاب، لذلك كل أصبح لدى كل حزب منطقة يسيطر عليها، مثل ما حدث بعد اتفاق السلام بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني".

ورأى أن العقلية الضيقة التي يتحلى بها مسؤولو جنوب كردستان لم تستطع توحيد مناطق جنوب كردستان وتأسيس حكومة موحدة ودستور ديمقراطي، وقال "مع الأسف هذه الأحزاب لم تستطع بناء ما يقع على عاتقها في تغيير الواقع الاجتماعي وتغيير الواقع الاقتصادي في الإقليم".

أكد كركوكي أن دولة الاحتلال التركي هي التي تقوم بإدارة الملف النفطي في جنوب كردستان، بالإضافة إلى تدخلها في شؤون جنوب كردستان، وتقوم باغتيال النشطاء السياسيين ومساندة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وقال: "مع الأسف، الأحزاب المشاركة في الحكومة تسكت على أفعال الحزب الديمقراطي، ويزداد غضب الجماهير"، مضيفاً "تركيا التي تقصف وتسرق ثروات إقليم كردستان تريد إفشال حكومة الإقليم، وإظهار أن الكرد غير قادرين على الإدارة ".

تركيا تريد إفشال التجربة الفتية في روج آفا

تطرق كركوكي إلى الهجمات التركية على روج آفا، وقال: "في روج آفا نموذج إدارة مغاير، تركيا تحاول بكل قوتها إفشال هذه المنظومة الجديدة. هي الآن مسيطرة على جنوب كردستان من الناحية الاقتصادية والأمينة وتريد إفشال تجربة الإدارة الذاتية الفتية في روج آفا، لذلك تشن هجمات على المنطقة".

الوضع العراقي في تدهور

أوضح حسين كركوكي أن الوضع في العراق يتدهور يوماً بعد يوم، وقال: "لا نستطيع التخمين إلى أين يتجه الوضع، لكن هناك خوف كبير من الصراع بين الأحزاب المتنافسة، الكتلة الصدرية والإطار التنسيقي لديهما قوات عسكرية وميليشيات ويتخوف الجماهير من صدام بينهما وبين جماهيرهما. الخاسر الوحيد هو الشعب العراقي".

وتابع "بالنسبة لوضع جنوب كردستان، فأحزاب السلطة لديها قوات عسكرية، الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، ويتخوف الشارع الكردي من حدوث صدام فيما بينهما أيضاً؛ لأن هناك صراعات داخلية بينهما، وإذا تحولت إلى صراعات مسلحة، فإن قوى إقليمية ستغذي تلك الصراعات من أجل إدامتها، وفي مقدمتها تركيا التي لديها معسكرات في الإقليم وأيضاً خارجه في الموصل وأطرافها".

تطرق كركوكي إلى الاعتداءات التركية وقال: "رأينا القصف التركي للمدنيين في زاخو، هذه التدخلات التركية تزداد على المستوى العسكري وعلى المستوى اقتصادي والاستخباراتي".

المطلوب الآن

أوضح كركوكي "أن حل الأزمة العراقية في بغداد، إن أرادت الأحزاب السياسية حل الأزمة العراقية، فيجب مصالحة الجماهير والشعب، وأن تستغفر عما فعلت سابقاً من سرقة أموال الشعب. يجب حل الأزمة وفق الدستور الديمقراطي، والعمل على خدمة الشعب وبناء المؤسسات والابتعاد عن المنطق الحزبي، الحل ليس صعباً، ولكن يحتاج إلى إرادة وقرار سياسي جريء".

ونوّه إلى إمكانية استفادة الأحزاب والقوى السياسية في العراق وجنوب كردستان من تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وقال: "الحل الأساسي لدى الجماهير، يجب توحيد صفوفها ورؤيتها من أجل الخروج من المأزق، والابتعاد عن العقلية السلطوية والتوجه نحو المجتمعية، ونحو كيفية توزيع الثروات بشكل عادل، وكيفية قبول المكونات بعضها البعض تحت خيمة ونظام جديد، كنظام الإدارة الذاتية الديمقراطية الذي نراها في روج آفا، وهذه النظام هو الحل الأمثل لبناء الدولة وبناء المؤسسات وحل المشاكل عبر الإدارة الناجحة".

واختتم رئيس الهيئة الدبلوماسية لحركة المجتمع الكردستاني (حركة الحرية) حسين كركوكي، "أن العقلية السائدة في العراق وجنوب كردستان هي عقلية حزبية وسلطوية، وعقلية الإدارة الذاتية هي عقلية ديمقراطية وعقلية قبول الآخر. عقلية تعتمد على تأمين حياة كريمة للمواطن بعيدة عن الصراع القومي والطائفي والمذهبي".

(ل م)

ANHA


إقرأ أيضاً