شمس الدّين ملا: التّسيّب والرّشاوى من قبل قائد الشّرطة وإدارة السّجن كانا السّبب في حريق السّجن

أوضح شمس الدّين ملا إبراهيم, أنّ السبب الأساسي في حريق سجن الحسكة الذي راح ضحيته أكثر من 62 شخصاً, ومن بينهم 25 كردياً, كان قائد الشرطة المسؤول عن السجن، وإدارة السجن والأمن السياسي هناك, وذلك بسبب التّسيّب والرّشاوى, وإدخال المخدّرات بعلمهم وبالإذن منهم .

تعدّ حادثة حريق سجن الحسكة في الـ23 من شهر آذار1993, التي راح ضحيّتها حوالي 61 شخصاً من السّجناء, مجزرة بحقّ الكرد,  وإحدى عمليات القتل الجماعي الّتي ارتكبت بحقّ الكرد في روج آفا.

بُني سجن الحسكة الواقع في حي غويران في ستينيات القرن الماضي، أثناء الوحدة السورية المصرية, ومخصّص لمئتي سجين, لكن الدولة السوريّة كانت تزجّ فيه أكثر من 700 شخص.

وحول حريق هذا السجن وأسبابه, هل كان مفتعلاً أم لا؟ التقت وكالة أنباء هاوار ANHA  بـ شمس الدين ملا إبراهيم، عضو حزب الاتّحاد الدّيمقراطيّ في الحسكة, وأحد السّجناء السياسيين في ذلك الوقت, والذي قال في مستهلّ حديثه: "بتاريخ 1992 وفي الشهر العاشر منه، تعرّضتُ للاعتقال من قبل الدولة السورية, وكان السّبب سياسياً, لأنّني كنت مسؤولاً عن المجموعات التي كانت تأتي من لبنان، بعد أن تلقّت تدريبها في الأكاديميات هناك, حيثُ كنت أقوم بتوزيعها على منازلنا، حتى يحين وقت ذهابها إلى جبال كردستان".

وأضاف شمس الدين ملّا إبراهيم: "هرب أحد أفراد إحدى المجموعات، وسلّم نفسه للمخابرات السورية, وأخبرهم عن عملي، لذلك اعتُقلت, والتهمة كانت تخريب صفّ العلاقات بين سوريا ودولة مجاورة, وبقيت في فرع الأمن السياسي بقامشلو حوالي37 يوماً, ثمّ تمّ تحويلي إلى محكمة الجنايات العليا العسكرية في حلب, ثمّ تحوّلت إلى سجن الحسكة".

ꞌالحكومة السورية اعتقلت الكرد لمشاركتهم في مراسم الشهداءꞌ

وتابع ملا إبراهيم: "في تلك الفترة اعتقلت الحكومة السورية عدداً كبيراً من مؤيّدي الحركة, ولأسباب مختلفة, ولكن السّبب الأساسي كان مشاركتهم في مراسم إعلان شهداء حركة التّحرّر الكردستاني, حيث بلغ عدد الذين اعتُقلوا لهذا السبب 61 شخصاً، وأنا من ضمنهم.

 ونحن في  المعتقل كان لدينا تنظيمنا الخاصّ وتأثيرنا في السّجن, وإدارة السجن كانت تستمع كثيراً لنا, لأنّنا كنّا القوة المنظّمة في السّجن, أما باقي السجناء كانوا تهمهم الخطف, القتل, السرقة والمخدرات".

وبيّن ملا إبراهيم, في تاريخ الـ23 من شهر آذار 1993, كان الناس لا يزالون يحتفلون بنوروز, وعيد الفصح، كان يوم حريق السّجن, الذي كان يتألّف من خمسة مهاجع، حيث قام الحراس بفتح أبواب المهاجع على بعضها بمناسبة العيد, وتابع قائلاً: "أنا كنت في المهجع الثاني، وكان معي الكثيرون من مؤيّدي الحركة, أمّا المهجعان الرابع والخامس، فكان نزلاؤهما من مدنيّين وتجار مخدرات، ومجرمين، وكان بينهم أيضاً عدد من مؤيّدي الحركة".

ꞌكانت هناك رائحة غريبة في المهجعꞌ

نوّه شمس الدين ملا إبراهيم قائلاً: "عندما قمنا بزيارة أصدقائنا في المهجع الخامس, كانت رائحة المهجع غير طبيعية, والأشخاص كانوا في حالة سُكْرٍ شديد , وقيل لنا أنّهم يتعاطون المخدرات, وكان من بينهم علي قاسم, ثمّ عدنا إلى مهجعنا، وشعرنا أنّ هناك حركة غير طبيعية في السّجن، ولم نعلم ما الذي كان يحصل, مهجعنا الذي كان مخصّصاً لثلاثين شخصاً, وضعوا فيه 122سجيناً".

ꞌمنعوا دخول الكاز، وسمحوا به أيام العيدꞌ

وأكّد ملا إبراهيم, أنّ إدارة السجن كانت قد قامت بقطع مادّة الكاز عن السّجناء مدّة تزيد عن15 يوماً, لكن بمناسبة عيد الفصح قامت بتوزيعها عليهم , وأصبح في مهجعنا فقط  أكثر من 300 لتر من مادّة الكاز, حيث قام كلّ سجين  بوضع مادة الكاز تحت سريره, ثمّ قامت إدارة السجن، وبعدما كانت أبواب المهاجع مفتوحة بمناسبة العيد، بإقفال كلّ الأبواب".

ꞌفوضى في المهاجع بسبب أحد متعاطي المخدّراتꞌ

وقال شمس الدين ملا إبراهيم: "بعد إقفال أبواب المهاجع, رأيت بعيني أحد السجناء والملقّب بـ "علي قاسم" خارج المهجع، والشرطة تقوم باعتقاله لأنّه كان في حالة سُكْر, وعلي قاسم يقوم بتهديدهم، بعد أن عرفوا أنه سوف يقتل نفسه بالشّفرة الموجودة في فمه, وعلى إثرها قام أصدقاء علي قاسم الموجودون في المهاجع الأخرى بالاعتصام, وأشعلوا حريقاً أمام باب مهجعنا عن طريق سكب مادة الكاز على البطانيات، وقاموا بتهديد الشرطة بأنّهم سوف يقومون بحرق السّجن إن لم  يبتعدوا عن علي قاسم، ويعيدوه إلى مهجعه, ولذلك لبّت الشرطة نداءهم".

ꞌالاستعصاء الثاني وإشعال الحريق في المهجعꞌ

 وأضاف ملا إبراهيم: "بعد ذلك بوقت قصير سمعنا صوت علي قاسم مرّة أخرى وهو خارج مهجعه, فقامت الشرطة مرّة ثانية باعتقاله وضربه, وأصبح ينادي أصدقاءه أن يفعلوا شيئاً له, فعاد أصدقاؤه الموجودون في مهجعنا  إلى الاعتصام وكان من ضمنهم كاميران الملقّب بكامو, وليد، ومحمد أمين الملقب بوحشو, ولكن هذه المرّة لم تتركه الشّرطة, لذلك قام كامو بحمل عدد من البطانيات، وسكب فوقها الكاز ووضعها أمام باب المهجع من الداخل وأحرقها, وقام أيضاً بربط الملقب بوحشو على باب المهجع وسكب عليه الكاز وأحرقه, وامتدّ الحريق داخل السّجن من البطانيات إلى الكاز الموجود داخل المهجع".

ꞌ62 ضحية بينهم 25 من الكردꞌ

وتابع ملا إبراهيم حديثه:  "وبسبب الدخان الناجم عن الحريق في المهجع اختنق الكثير من السّجناء, على الرغم من مناداتي لهم بإنزال رؤوسهم إلى الأسفل، لأنّ الدخان يصعد إلى الأعلى, أما أنا فقد قمت بوضع الماء على قطعة قماش ووضعتها على وجهي, بعدها قام الملقّب بوليد بقطع أكبال الكهرباء، وصار يهدّد بكهربة المهجع بالكامل, لذلك طلبنا من الأمن قطع الكهرباء عن المهجع, عنصر الشرطة المسؤول عن مفاتيح المهاجع هرب, وأحد الأصدقاء قام بمناداته للعودة وفتح الباب، لكنّه قام برمي المفتاح وهرب, وقام صديقنا بفتح الباب, وسمعت صديقاً آخر لي والملقّب بعبد الباري والذي استشهد في الحريق، ينادي ويقول لي بأنهم قاموا بفتح الباب, لذلك خرجت زحفاً من المهجع, وقاموا بعدها بحملي وإسعافي إلى المشفى, ثم علمت أنّ عدد الضّحايا بلغ 62 شخصاً، من ضمنهم 25 من الكرد".

وأردف شمس الدين ملا إبراهيم, بعد وصولي إلى المشفى وتلقّي العلاج, حوالي الساعة الرابعة صباحاً، جاء ملازم أول وقام باصطحابي معه من أجل التحقيق بعد عدةّ محاولات من قبل الأطبّاء بعدم خروجي بسبب جروحي، إلّا أنّهم أخرجوني حافي القدمين".

 وتابع  قائلاً: "عند وصولنا إلى قسم التحقيق كنّا حوالي 12 شخصاً, وبقينا هناك 13 يوماً, وكان قد قدِم من أجل التحقيق في قضية الحريق لواءٌ من القصر الجمهوري  بدمشق, ونادوني للتحقيق في الساعة الحادية عشرة ليلاً، واستمرّ التحقيق إلى الساعة السابعة صباحاً, قلت فيه كلّ الحقيقة لضابط التحقيق، بأنّ السبب الأساسي هو قائد الشرطة الموجود في السجن، مع إدارة السجن، وذلك بسبب التسيّب والرشاوى, والأهم المخدّرات كيف دخلت إلى السجن؟, لا أحد يستطيع إدخال المخدّرات إلا بمساعدة قائد الشرطة".

واختتم ملا إبراهيم حديثه قائلاً: "بعد انتهاء التحقيق أعادونا إلى السجن، وقاموا بالإفراج عن جميع مؤيّدي الحركة, وأصبحوا يضغطون علي أكثر, وبعد ذلك بفترة تم الإفراج عنّي أيضاً، لأنّني قدّمت اعتراضاً على التهمة الموجّهة إلي، وقوبلت بالموافقة".

ANHA


إقرأ أيضاً