تداعيات مستمرة... انفجار بيروت يعمق انقسام اللبنانيين

ينقسم لبنان اليوم، كعادته بين فريقين؛ الأول يطالب بلجنة تحقيق دولية حول انفجار مرفأ بيروت، فيما يعارض فريق آخر لجنة التحقيق الدولية، ويصر على تحقيق داخلي، بحجة أن "الهدف من المطالبة تضييع الحقيقة".

في الوقت الذي تنشغل فيه آلاف الأسر اللبنانية بدفن أكثر 160 قتيلًا، وتضميد جراح أكثر من خمسة آلاف، والبحث عن ملاجئ لإيواء أكثر من 300 ألف مشرد، تستعر خلافات سياسييهم سرًّا وعلنًا، وهذه المرة بين مؤيدي إجراء تحقيق دولي في ملابسات كارثة مرفأ بيروت وبين معارضي ذلك، ولكل طرف أسبابه ومسوغاته منها المعلن ومنها المخفي.

وفي التفاصيل، كشفت مصادر سياسية لبنانية، في ضوء الخطاب الذي ألقاه الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، أن هناك تنسيقًا كاملًا بينه وبين رئيس الجمهورية ميشال عون، بشأن رفض تشكيل لجنة تحقيق دولية في الكارثة التي حلّت ببيروت يوم الثلاثاء الماضي.

"لا ثقة بالقضاء اللبناني"

وحول ذلك تحدث لوكالتنا الكاتب والصحافي اللبناني يوسف دياب قائلًا: "إن المطالبة بتحقيق دولي بدأت من رؤساء الحكومات السابقة، ثم تيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي والكتائب، لأن هذه القوى لا تثق بقدرة القضاء اللبناني أو الأجهزة الأمنية للوصول إلى كشف حقيقة ما حصل، ولأن القضاء والأجهزة الأمنية تخضع لضغوط سياسية وحزبية في لبنان، سواء من العهد وتياره (التيار الوطني الحر) أو من حزب الله المسيطر على لبنان".

ويتابع دياب حديثه "ليس المهم بالنسبة للبنانيين كيف حصل الانفجار، سواء عمدًا أو عن طريق الخطأ، المهم أن بيروت تدمرت، والعاصمة باتت لهم منكوبة، وآلاف الأسر بلا مأوى، وأكثر من 150 شهيدًا وآلاف الجرحى، لذلك يطالبون بتحقيق شفاف للوصول إلى الحقيقة".

خوف فريق لبناني من التحقيق الدولي

لماذا فريق من اللبنانيين، متمثل بالتيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية وحزب الله وأمين عامه، يرفض التحقيق الدولي ويصر على تحقيق لبناني؟

يؤكد الصحافي اللبناني لوكالتنا قائلًا: "إن التحقيق الدولي قد يتوصل إلى حقيقة ما حصل، ويكشف خفايا لا تريد هذه الأطراف معرفتها، وهذا يثير الشكوك إلى أن لحزب الله علاقة بالمخزن الذي انفجر بمرفأ بيروت، الواقع السياسي وتداعياته ستكون كبيرة، وبالتالي هذه الأطراف السياسية لا تتحمل تبعاتها".

وينفي دياب أن يكون هناك غايات سياسية وراء المطالبة بتحقيق دولي، "إنما هي رغبة لكشف الحقيقة، وهي تعرف أن القضاء اللبناني والأجهزة الأمنية لن تصل إلى نهاية المطاف في هذا التحقيق، لأن المحققين يخضعون لضغوطات، وربما إلى خط أحمر، أو جدار مسدود يتوقف عنده التحقيق، وبالتالي تضيع دماء الضحايا التي سقطت في هذه الكارثة"، ويؤكد دياب أن "المطلوب اليوم معرفة ما حصل، ومن المسؤول عما حصل، ويجب محاسبتهم أمام اللبنانيين والعالم بأسره".

"سقوط المنظومة السياسية"

ربما من المهم أن تتضامن الأطراف السياسية اللبنانية كافة في هذه المحنة، لكن الأهم بالنسبة للكاتب يوسف دياب "هل يتقبّل اللبنانيون بعد اليوم وجود هذه المنظومة السياسية في الحكم؟! هذا ما يرفضه الناس في الشارع، وهذا يُفترض أن يكون منطلقًا لتغيير سياسي في لبنان، تنتهي معها مرحلة الطبقة الفاسدة التي حكمت لبنان أكثر من 4 عقود، وأوصلته إلى هذه الكوارث، ويجب أن ينتقل لبنان إلى مرحلة جديدة من الاستقرار".

الكاتب الصحافي يوسف دياب يؤكد أنه "لا يمكن اليوم أن نصل إلى مرحلة الاستقرار أو إلى استتباب الوضع السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي، في ظل هذه الطبقة الفاسدة التي كانت سببًا لما وصل إليه لبنان من كل الكوارث؛ الاقتصادية والمالية والصحية والاجتماعية، واليوم الأمنية".

يبدو أن عدم الثقة بهذه الطبقة السياسية لم يتوقف على قسم كبير من اللبنانيين، بل حتى على الدول التي قررت مساعدة لبنان، فالكاتب اللبناني يقول إنه "لا يمكن المراهنة على دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها، لأنها مؤسسات فاسدة والزعماء فاسدون، ما يعوّل عليه هو المجتمع الأهلي الذي اندفع إلى مساعدة الناس، وما يعول عليه هي المساعدات من الدول الصديقة والشقيقة التي بدأت تصل، واللافت أن هذه المساعدات لم تُسلّم إلى الحكومة اللبنانية ولا إلى الأجهزة الأمنية، بل سُلّمت إلى السفارات التي بدورها توزعها بالاتفاق مع جمعيات أهلية داخلية لبنانية موثوق بها، أو مع منظمات تابعة للأمم المتحدة".

نصر الله وخطابه "الدفاعي"

وفي سياق متصل، قال الكاتب الصحافي وليد شغير، إن "أمين عام حزب الله حسن نصر الله بدا دفاعيًّا في أول تعليق له على الكارثة الزلزالية التي أصابت بيروت ولبنان، وعلى تفاعلاتها السياسية، والشعبية، والإعلامية التي أخذت منحى تشكيكيًّا في التحقيقات التي تجريها أجهزة الدولة اللبنانية الأمنية والقضائية، وسط الغضب الشعبي العارم الذي عم البلد ضد السلطة القائمة".

وأضاف أنه "ضمن العوامل التي أثارت تكهنات ووجّهت الأنظار إلى الحزب، أن تلفزيون المنار التابع له، كان من أوائل المحطات التي استطاع طاقمها الدخول إلى حرم المرفأ لتصوير الحريق الضخم الذي شب في المرفأ مساء الرابع من أغسطس، فيما نقلت محطات تلفزة أخرى صورًا لسيارات إسعاف الهيئة الصحية الإسلامية التابعة للحزب تدخل إلى المنطقة التي حظرت الأجهزة الأمنية دخولها في اليوم التالي، ما سبّب أخذًا وردًّا بين مراسلي تلك المحطات الذين سألوا مسؤولين في الحزب عما إذا كان يخزن شيئًا في العنبر رقم 12".

"الحق على التلحيم"!

وفي هذا السياق، وسّع القضاء اللبناني دائرة تحقيقاته في تفجير مرفأ بيروت، حيث لم يقتصر على موظفين وإداريين فحسب، بل شمل كبار المسؤولين في إدارة المرفأ وعلى رأسهم كل من المدير العام للجمارك بدري ضاهر، والمدير السابق شفيق مرعي، ومدير المرفأ حسن قريطم، الذي أمر مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية فادي عقيقي، باحتجازهم على ذمة التحقيق.

وأكدت مصادر مطلعة على ملف التحقيقات أنّ الأمور وصلت إلى خواتيمها على صعيد عمل لجنة التحقيق التي يترأسها رئيس الحكومة حسان دياب، كاشفةً أنّ "ما توصل إليه التحقيق هو أنّ شرارة نيران تطايرت جراء عملية التلحيم ووصلت إلى مخزون من المفرقعات، ما أدى إلى اندلاع الحريق الأول بدايةً، ثم ما لبثت المفرقعات أن بدأت بالانفجار تباعًا وأسفرت في نهاية المطاف عن انفجار مخزون النترات الموضّب في المرفأ".

ونقلت المصادر أنّ من بين الموقوفين "العمال السوريين الثلاثة الذين تولوا عملية تلحيم باب العنبر، بحيث أفادوا خلال التحقيق معهم أنهم كُلفوا بهذه المهمة، ولم يكونوا على علم مطلقًا بالمواد المخزنة خلف الباب، فأنجزوا مهمتهم وغادروا المرفأ قبل نحو ساعة من الانفجار لكي يتبيّن لاحقًا أنّ إحدى شرارات عملية التلحيم كانت قد تطايرت إلى داخل العنبر الذي يحوي مفرقعات، فأحدثت حريقًا سرعان ما أدى إلى أكثر من تفجير صغير كما ظهر في الفيديوهات المسجلة للحظات الأولى التي توثق حادثة اندلاع النيران في المرفأ، إلى أن شكلت هذه التفجيرات ما يشبه الصواعق المحفّزة لتفجير مادة النترات".

وشددت المصادر على أنّ "مستوى الإهمال كان كبيرًا في هذا الملف إلى حد تبيّن معه أنّ متعهد أعمال الصيانة لم يكن على دراية بالموجودات داخل العنبر الذي كُلّف بصيانة بابه، بينما كان من الواجب على إدارة المرفأ أن تطلعه على وجود مواد شديدة الاشتعال والانفجار في المكان لكي ينبّه عماله إلى ضرورة توخي الحذر".

"فرضية تفجير المخزن بصاروخ مستبعدة"

رغم مرور أيام على التفجير المدمّر، لم تحدد المرجعيات المعنية بالتحقيق الأسباب الحقيقية التي تسببت بتفجير مخزن "نترات الأمونيوم"، إلا أن مصدرًا أمنيًّا أوضح أن "التحقيق الفني اقترب من الإمساك بالخيط الذي يكشف دوافع التفجير"، لكنه جزم بأن "فرضية تفجير المخزن بصاروخ باتت مستبعدة إلى حدّ كبير"، مؤكدًا أن "خبراء التفجير اللبنانيين والفرنسيين أطلعوا على الصور التي وردت من القوات الجوية أو من القاعدة البحرية القريبة من مرفأ بيروت، وتبيّن أن الفيديوهات المتداولة في الإعلام وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتظهر سقوط صاروخ في موقع التفجير هي صور مفبركة ومركّبة وتفتقر إلى المصداقية".

لكن المصدر الأمني لم يستبعد "فرضية العمل الإرهابي"، مشيرًا إلى أن مزاعم تفجير "نترات الأمونيوم" نتيجة عملية تلحيم لأحد الأبواب الحديدية تفتقر إلى الدقة، وجزم بأن "مادة النترات لا تشتعل بسهولة، وهي تحتاج إلى حرارة مرتفعة بحدود 220 درجة مئوية، أو إذا تسرّبت إليها مادة سائلة تغلي على درجة الحرارة المرتفعة المشار إليها".

وردًّا على سؤال، أكد المصدر أنّ "التحقيقات لم تُثبت ضلوع الطيران الإسرائيلي أو أي قصف صاروخي بوقوع انفجار المرفأ"، كاشفًا أنّ "رادارات الجيش اللبناني لم تظهر أي شيء من هذا القبيل، ولكن التحقيقات لا تزال مستمرة في، ما يتعلق بهذه الفرضية ولم تُحسم بعد 100 في المئة".

 ولفت المصدر إلى أنّ "عمليات فحص التربة في مكان الانفجار من أكثر من زاوية وفي أكثر من بقعة لم تُظهر سوى مخلفات مادة النترات، ولم يتبيّن أي أثر لما يمكن اعتباره بقايا صاروخ، غير أنّ التحقيقات ستتواصل في هذا المجال بانتظار ما سيتم تزويد السلطات اللبنانية به من صور للأقمار الاصطناعية".

وعلى عادة الانقسام الذي يطبع مواقف الأحزاب اللبنانية من القضايا السياسية، لا يبدو أن نتائج التحقيق الجاري ستنال قبولًا وإجماعًا من كل الكتل والتيارات، فالحكومة مطالبة بكشف الحقيقة كاملة، ومعارضوها بقيادة تيار المستقبل يروْنَ في تكليف خبراء دوليين بالتحقيق فرصة لاستغلال ظروف الغضب الشعبي والعالمي مما جرى لـ "تقليم أظافر" خصمهم السياسي الذي يتهمونهم بالاستقواء صراحة بقوى أجنبية.

(ي ح)


إقرأ أيضاً