تحركات روسية – تركية في سوريا.. رسائل بالنار أم تقايض تحت ضجيج المدافع؟

تراجع تركي في إدلب تلاه تصعيد روسي أوقع العشرات من مرتزقة أنقرة، تزامن ذلك مع تصعيد الأخيرة للهجمات على منبج وعين عيسى، كل هذه التطورات تطرح أسئلة مهمة حول خلفياتها، فهل هي رسائل بالنار بين الطرفين أم أن هناك صفقة توضع تحت ضجيج المدافع؟

شهد الملف السوري عدة تطورات متزامنة بدأت في 18 من الشهر الحالي بالانسحاب التركي من أكبر نقطة له "نقطة مورك" في ريف حماة والتي وقعت هي ونقاط تركية عديدة موجودة في منطقة ما تسمى خفض التصعيد تحت حصار قوات الحكومة السورية في أواخر عام 2019 إثر عملية عسكرية شنتها بدعم روسي.

وتزامن ذلك مع تصعيد للاحتلال التركي باتجاه عين عيسى ومنبج، حيث أعلنت قوات سوريا الديمقراطية صد عدة هجمات.

وتلا ذلك استهداف طائرات روسية لمعسكر يتمركز فيه مرتزقة "فيلق الشام" أحد أكثر المجموعات المرتزقة دعمًا من قبل تركيا والمنضوية في صفوف مرتزقة ما يسمى "الجيش الوطني" الذين تستخدمهم تركيا لاحتلال أراضٍ سورية، بالإضافة إلى إرسالهم للقتال من أجل مصالحها خارج الأراضي السورية.

وبحسب آخر إحصائية للمرصد السوري لحقوق الإنسان ارتفع تعداد المرتزقة الذين قُتلوا إلى 78 على الأقل، وعدد الذين قُتلوا مرشحٌ للارتفاع، لوجود أكثر من 90 جريحًا بعضهم في حالات خطرة.

كل هذه الأحداث والتطورات المتلاحقة بالإضافة إلى انعكاس الخلاف بين روسيا وتركيا في عدة ملفات أبرزها التدخل التركي في قره باغ وليبيا، تطرح أسئلة عدة حول مسار الأحداث في سوريا.

"خيبة أمل روسية"

وحول ذلك تحدث المحلل السياسي ومنسق تجمع السوريين العلمانيين الديمقراطيين "السويداء" سمير عزام قائلًا: "عمليات القصف والهجمات التي شنتها قوات الاحتلال التركي ومرتزقتها الإرهابيين على ريفي عين عيسى ومنبج بعد انسحاب قاعدتها العسكرية من مورك تندرج ضمن الاتفاق الروسي - التركي الذي عُقد بينهما بعد العدوان التركي - الداعشي واحتلالهم رأس العين وتل أبيض منذ عام، والذي تعهد الروس به بإدخال القوات الحكومية السورية إلى مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وإلغاء الإدارة الذاتية وقوات ومجلس سوريا الديمقراطية وإعادة المنطقة إلى سلطة النظام".

وأوضح عزام أن "هذا الاتفاق عُقد حينها في ظل اعتقاد روسي أن الانسحاب الأمريكي من مناطق شمال وشرق سوريا سيكون تامًّا كما أعلن عنه حينها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واعتقاد روسيا أن قوات سوريا الديمقراطية ضعفت ولم يعد بوسعها منع سيطرة النظام على هذه المنطقة إن كان عسكريًّا أو بالضغوط العسكرية التركية".

وأضاف عزام: "خاب أمل الروس، لا قرار ترامب بالانسحاب الأمريكي التام حدث، ولا قوات سوريا الديمقراطية ضعفت، الهجمات التركية الأخيرة على ريفي عين عيسى ومنبج هدفت إلى ممارسة ضغط روسي على قوات سوريا الديمقراطية لإجبارها على إعادة هاتين المدينتين لسلطة النظام وتم إفشال الخطة الروسية - التركية بتصدي قوات سوريا الديمقراطية الفعال للهجوم التركي - الداعشي الأخير".

"رد روسي على تخطي أردوغان لحدود التفاهمات"

وحول القصف الروسي لمرتزقة فيلق الشام قال عزام: "كان ردًّا روسيًّا على مواصلة زج الرئيس التركي رجب أردوغان الإرهابيين الإسلاميين في الصراع الأذري - الأرميني على منطقة ناكورني كارباخ".

وأوضح عزام أن "روسيا وتركيا متفقتان على استخدام الإرهابيين في كل من سوريا وليبيا، كلٌّ لمصالحها الخاصة، ولكن روسيا لا تقبل بوصول الإرهابيين الإسلاميين إلى فنائها الخلفي - حرب الشيشان لازالت ماثلة بأذهان الروس - فأتت الضربة العسكرية الروسية القاسية لمواقع الإرهابيين في جرابلس كرسالة روسية قاسية لتركيا على تدخلها العسكري في النزاع الأذري – الأرميني".

وأضاف عزام: "الرسالة الروسية التي وجهتها لتركيا إن كان بقصفها المدمر لمواقع مرتزقتها في جرابلس المحتلة وإعطائها الإذن لأرمينيا باستخدام صواريخ استراتيجية "الكسندر" ضد الهجوم الأذري على إقليم ناغورني قره باغ يؤكد على تصميم روسيا على منع الوجود العسكري التركي - الإرهابي بفنائها الخلفي.

 الترك ومرتزقتهم سيُجبرون على الانكفاء من أذربيجان وسيتواصل التنسيق والتعاون الروسي - التركي في سوريا لأن الطرفين لهما مصالح وأطماع في سوريا لا يستطيعان بلوغها كلٌّ بمفرده وبمعزل عن الآخر".

"صفقات عديدة ومشبوهة بين الطرفين على حساب الدم السوري"

وحول إذا ما كان هناك مقايضة جديدة بين روسيا وتركيا قال الكاتب والباحث السياسي حسين عمر: "هناك صفقات عديدة ومشبوهة على حساب الدم السوري بين الطرفين، وفي هذا الصدد لن تتأخر روسيا في المساومة على بعض الصفقات الأخرى لتركيا كي تحقق أهدافها ومنها فرض حكومة هي تختارها من الموالين لها من داخل النظام نفسه وتطعيمهم بشخصيات قريبة منها من المعارضة".

وحول مستقبل التفاهمات الروسية – التركية في سوريا رأى عمر أنها "ستستمر لما بعد إبعاد بشار الأسد عن السلطة وهو ما تحضر له روسيا بدليل الهجوم الأخير عليه من قبل بعض المحللين ووسائل إعلامية، وهذا يبين وجود خطة روسية لإجبار الأسد على الاستقالة وتعيين مقرب لها على رأس الحكم من داخل أو خارج النظام، والإبقاء على كادر النظام ومؤسساته العسكرية والأمنية في الفترة الأولى، ما يمنع روسيا الآن هو الموقف الإيراني المتشدد للأسد ودعمها المستمر له، والجدير بالذكر أن التناقضات الروسية - الإيرانية هي أكثر من تناقضاتها مع تركيا وذلك لتغلغل النظام الإيراني داخل كافة مؤسسات الدولة /النظام/ وهو ما يمنع روسيا من تنفيذ مخططاتها في الوقت المناسب".

وأضاف: "روسيا وتركيا تجمعهما الكثير من الأمور التي تعلو على خلافاتهما في سوريا، ومن أهمها القيم الأوراسية التي يتبنيانها وحقدهما على العالم الأوروبي والأمريكي، وتشابه أنظمة الحكم في كلا البلدين اللذين يقادان من قبل حفنة من الأشخاص وعلى رأسهم دكتاتور، ووضع مؤسسات الدولة بتنوعها تحت خدمة الأهداف الشخصية للحفنة المذكورة ولهذا مستقبل التفاهمات هو التطور والتعميق والاستمرارية".

"الأحداث تسير نحو الاعتراف بالأمر الواقع"

وحول مسار الأحداث في إدلب وسوريا يقول سمير عزام: "تسير نحو الاعتراف بنهاية المطاف بالأمر الواقع على الأرض".

وأوضح عزام أن هناك حالة توازن عسكري بين أطراف الصراع المحليين "قوات النظام وحلفاؤها وقوات سوريا الديمقراطية وفصائل الإسلاميين ووحدات حماية السويداء الذاتية، وهناك الوجود العسكري الأجنبي الروسي والأمريكي والتركي والإيراني.

 أمام هذا الواقع لا يمكن تخيل وقف الصراع العسكري في سوريا وإيجاد حل للأزمة السورية ويُبقي على سوريا موحدة سوى بمشروع الدولة اللامركزية (الجمهورية السورية اللامركزية الديمقراطية)".

وبدوره قال حسين عمر: "لا أعتقد حصول تغيرات على الخريطة الحالية لإدلب على الرغم من المحاولات الإيرانية لتحريرها من الاحتلال التركي والمجموعات الإرهابية وتحويلها إلى محمية إيرانية كما حصل ويحصل في بعض المناطق السورية الأخرى مثل البلدات والمدن التابعة لمحافظة دير الزور والتي هي تحت سيطرة قوات النظام، لكن الجانب الروسي يقف ضد الخطط الإيرانية ويمنعها من فتح الجبهة، وإيران مع قوات النظام لا يمكنهم تسيير حرب في تلك المنطقة إلا بالدعم الجوي الروسي ولهذا تضطر للانتظار".

وأوضح أن "روسيا لها على ما يبدو اتفاقات سرية مع تركيا، ولهذا تطالبها بتنفيذ تلك المطالب وكان الانسحاب من بعض النقاط قبل أسبوع أحد بنود تلك الاتفاقية والتي سيستمر أردوغان بتنفيذها في الأيام القادمة، وما القصف الروسي لبعض المجموعات الإرهابية المقربة لتركيا تحت أنظار تركيا دون أن تتحرك ساكنًا إلا دليل على أن البنود ستُطبق وتركيا ستكون شريكة لروسيا تحقق لها أهدافها كما أنها تحقق لأردوغان أهدافه".

"إدلب ستبقى شوكة تجرح الجميع"

وأضاف عمر "ستبقى إدلب الشوكة التي تجرح الجميع وتركيا من ضمنهم، كما أن أردوغان لا يمكن أن يتنازل عن المناطق الحدودية منها ولهذا فإن التوافق الروسي التركي سيترك للمجموعات المسلحة داخل المنطقة والتابعة لتركيا بالتحرك والعمل دون أن تسمح لها تركيا بالهجوم لاستعادة ما فقدته من أراضي".

واختتم عمر حديثه قائلًا: "إشكالية إدلب كما عفرين وبقية المناطق المحتلة من قبل تركيا لن تُحلّ إلا من خلال اتفاق شامل بين الدول النافذة في الملف السوري".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً