تشكيل الحكومة اللبنانية يزحف داخل "نفق مظلم"

يتقدم لبنان بدفعةٍ قويةٍ إلى الوراء، ويقترب يومًا تلو آخر من نهاية النفق المعتم، لكن لا ضوء في آخره. فالشعب اللبناني الذي كان يراهن على تشكيل الحكومة للخروج من عنق الزجاجة، يكاد ييأس بعدما أيقن أن بطاقة تشكيل الحكومة ضاعت في أدراج المحاصصة، لتتبدد الآمال بمستقبل يسير قدمًا بدون أن يفتح الأبواب على مرحلة خطيرة وعجيبة، ليست بالحرب غير أن كل نتائج الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية تحققت فيها.

وما بين الثلث المعطل وقضيّة الوزيرين العالقة، يدخل الشعب اللبناني الزنزانة المنعزلة عن كل بوادر الانفراجة القريبة أو البعيدة. هناك في الغرفة المظلمة لا شيء سوى شعب منهك ورغيف مغمَّس بالذّل، أمَّا وراء الباب فحكومة كلّما دنت خطواتها لتفتح باب الزنزانة تناءت مرة أخرى.

ويوجز المشهد في لبنان حاليًّا مصطلحان: "اعتذار" و "لا اعتذار". وفي كلا الخيارين تغيب احتماليَّة تشكيل الحكومة، وترجح كفَّة الفراغ السّياسيّ في ميزان تعطّلت فيه "بيضة القبّان"، وصار الشّغل الشّاغل الجواب عن سؤال واحد: مثالثة أم مناصفة، ولا أحد يحمل عبء اللّغز إلَا اللبنانيون.

الخيارات مفتوحة

وفي هذا الخصوص يقول المحلل السياسي والكاتب وفيق إبراهيم لوكالتنا "إن اللعبة اليوم، أصبحت مفتوحة على كل الاحتمالات، إنْ من خلال الانقسام السياسي وصولًا إلى الانهيار الاقتصادي والمالي والمعيشي، ومن ثم الاستحقاقات الانتخابية من الرئاسة الأولى إلى النيابية، بمعنى أن الجميع سيلعب كل أوراقه، وهذا ما سنشهده في المرحلة القادمة، وتحديداً بين بعبدا وعين التينة، دون استبعاد أن يكون هناك حلف سياسي باتت مؤشّراته واضحة، وقوامه الرئيس بري إلى الرئيس المكلّف سعد الحريري، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وزعيم "المردة" سليمان فرنجية".

ويؤكد إبراهيم أن "الأمور تسير باتجاه المزيد من التصعيد، وتحديدًا بين بعبدا وعين التينة، إذ ينقل عن بعض النواب المقرّبين من رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بأنه لن يسكت بعد اليوم على الحملات التي تطاوله من نواب "التيار الوطني الحر"، وحيث يأتي الجواب دائمًا بأن ذلك لا يعدو كونه اجتهادات، ولا يمثّل تكتل "لبنان القوي" أو "التيار الحر"، في حين أن الصورة واضحة بأن قرارًا على أعلى المستويات من بعبدا إلى ميرنا الشالوحي وراء هذه الحملات، وما ردّ رئيس المجلس عليها، إلا لكونه على دراية تامة بكل الخلفيات والمعطيات التي أدّت إلى هذه الاستهدافات".

'المحاصصة تغرق أمل الّلبنانيين'

لا جديد في لبنان سوى أن المسؤولين يدورون في حلقة مفرغة. ويغرّدون خارج سرب الّلبنانيّين على موجة المحاصصة والحزبيَّة. فالتَّعنت العوني بلغ ذروته وبه تصطدم مساعي تشكيل الحكومة. لا لتمرير مشروع المثالثة، بهذا التَّعصّب الواضح يمضي رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحرّ النَّائب جبران باسيل، وسط إصرارٍ كبير على المناصفة الوزارية وفقًا للطائف، تخوّفًا من أيّ مثالثة محتملة لاحقًا في مؤسَّسات أخرى. الأمر الَّذي أعدم حتى اللحظة كل فرصة قائمة لتشكيل الحكومة والقفز فوق المرحلة المأزومة إلى ما يمكن أن يتنفّس معه اللبنانيون جميعًا الصعداء بعد أكثر من ثمانية أشهرٍ من مكانك راوح.

وفي مقابل ذلك، يستبعد إيلي الفرزلي نائب رئيس مجلس النّواب تكليف بديلٍ عن الحريري بتشكيل الحكومة، ومن بيت الوسط نقل الفرزلي بعضًا من الطَّاقة الإيجابيَّة إلى الأوساط الشعبيَّة عقب لقائه رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، مؤكدًا أن الحريري على دراية تامَّة بالدور الموكل إليه في إطار حماية الدستور ومندرجاته ومضمونه. بهذه الثّقة بالوزير المكلف يعوّل الفرزلي على فشل أي محاولة لإحراج الحريري وإحراجه، مشيرًا إلا أنَّ رئيس مجلس النّواب نبيه برّي ما يزال بانتظار الجواب على كل الجهود المبذولة للإسراع في تشكيل الحكومة الَّتي باتت ممرًّا إلزاميَّا لوضع لبنان على سكّة الخلاص.

الخلاص هذا يراه الحريري نتيجة حتميّة لمبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإنقاذية، متمسكًّا بتطبيقها في ظل الصعوبات والضغوطات، ووسط تساؤلات حول ماهية المعايير التي سيتخلى عنها ماكرون لتسهيل تشكيل الحكومة وسد الفراغ المؤسساتي، وعما إذا كانت تعني التراجع عن حكومة اختصاصيين إلى حكومة تكنو سياسيّة إرضاء للمعترضين من "التيار الوطني الحر" و"حزب الله".

'الحريري بين الضغوطات وحماية الدّستور'

وفيما تتدحرج كرة المجهول في مسرح السّياسة اللبنانيّة، تبرز إلى الساحة مجدَّدًا مبادرة بري لتشكيل حكومة من أربعة وعشرين وزيرًا بما يضمن تحييد الثلث المعطل بعيدًا عن أيّ طرف كان، واستبعاد العراقيل التي فرضت نفسها بشدة خلال الأشهر الطويلة الماضية.

تسمية الوزراء المسيحيين التي كانت حجر عثرة رماه كل من عون وصهره باسيل في طريق تشكيل الحكومة، تدخل مرة أخرى فترة الاختبار الحقيقي مع إعادة الحديث عما يمكن أن يكون قبولًا بالمبادرة شرط تسمية وزيرين مسيحيين بالتوافق مع البطريرك الماروني بشارة الراعي. أمر وإن بدا إيجابيًّا إلَّا أنَّه في حقيقة الأمر السَّهل الممتنع الَّذي ما تزال المشاورات والمباحثات تعقد بشأنه للوصول إلى حلّ مرضي لجميع أطراف الأزمة المتواصلة.

سباق مع الزّمن، هذا ما يمكن فيه وصف الجولات السّياسيّة للمضيّ قدمًا وكبح لجام الذَهاب إلى الهاوية بعد زيادة المخاوف من الاعتذار عن تشكيل الحكومة، ما يعني العودة مجددًا لا إلى مربَّع الصّفر، بل إلى أشواط قبله، في تسجيل لفشلٍ مدوٍّ يكشف حجم التعقيدات بين الفرقاء السياسيّين، ويسلط الضّوء على تنامي الضّغوطات الدَّاخلية والخارجيَّة على الحريري بما حرم الحكومة من أن تبصر النَّور على الرّغم من حصول رئيسه المكلَّف على خمسة وستين صوتاً نيابيًّا من أصل مئة وعشرين.

'الانفجار.. السّياسيّ والشَّعبي'

وبعدما أوقف التَّعطيل عجلة مبادرة بري على غرار إعطاب ساق المبادرة الفرنسيّة الإنقاذيَّة، يترقَّب اللبنانيّون كافَّةً الوضع بحذرٍ بالغ، لم تستطع أن تمنعه مواربة الباب بعض الشّيء على خطة الأربعة وعشرين وزيرًا. فرواج الحديث عن هذا الحلّ هو كمن يشتري السمك في الماء، إذ لا ضمانات بعد، كما أنَّ كل السيناريوهات مفتوحة أمام انفجارٍ ضخم يقوّض ما بقي من بقايا مقوّمات الدّولة اللبنانيَّة.

وهذا ليس من قبيل المبالغة أو التهويل، فالمؤشرات السّياسيّة في لبنان سجلت مستويات متطورة من التَّعقيد المركّب والمضاعف، وهذا ما تترجمه التّصريحات الأخيرة للحريري بعد زيارته دار الفتوى ولقائه مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، واجتماعه برؤساء الحكومات السّابقين، دلالات كلها تشير إلى انسداد الأفق أمام تشكيل الحكومة، بما يؤثّر حتمًا في تضييق الخناق على اللبنانيّين وانتزاع أجهزة التّنفّس الصّناعي عن جسد البلد الغارق في نكباته الاجتماعيَّة والإنسانيّة والاقتصاديَّة.

وأمام هذا الواقع لا شيء يجدي نفعًا سوى أن يتجه المسؤولون في علاقةٍ طرديّةٍ تواكب تعاظم الفرقة السّياسيَّة من جهة، والإقلاع الصّاروخي لانهيار الاقتصاد الوطني، ولامتداد طوابير الإذلال الشَّعبي الَّذي لم يشهد لبنان شيئًا يشبهه منذ تأسيسه.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً