​​​​​​​فراس قصاص: قوى متعارضة قمعية حولت الثورة إلى أحداث أنتجت الموت ولا أمل إلا بالإدارة الذاتية

مقابلة مع يحيى الحبيب

قال المعارض السوري، فراس قصاص، إن الثورة السورية تحولت إلى مجموعة من الأحداث والظواهر التي أنتجت الموت والخراب، وذلك بسبب قوى تبدو متعارضة من حيث الشكل، إلا أنها تتفق من حيث الجوهر في نزوعها نحو الهيمنة والاستبداد والقمع، وأكد أنه لا أمل إلا في مشروع الإدارة الذاتية من أجل إنقاذ البلاد من مصير صعب ومظلم طويل.

وجاء حديث المعارض السوري ورئيس حزب الحداثة والديمقراطية لسوريا، فراس قصاص، خلال حوار أجرته معه وكالتنا بمناسبة ذكرى انطلاق الأزمة السورية التي تصادف الـ 15 من آذار الجاري.

وكان نص الحوار كالتالي:

*قاربت الأزمة على إنهاء عامها الحادي عشر، ولا تزال مستمرة.. كيف تقيّم مسارها حتى الآن بشكل مقتضب؟

كان مسارها معقداً ووعراً، بدأت سلمية ومدنية تطالب بالكرامة والحرية ثم تحولت كردّ فعل على عنف النظام واستدعائه لديناميات تطييفها وأسلمتها. وفي ظل فشل وعجز قوى المعارضة التي استلمت إدارة ملفها، تحولت إلى مجموعة من الأحداث والظواهر التي أنتجت الموت والاعتقال والخراب والنزوح واللجوء والارتكاس الاقتصادي والانسداد المعمم. تقف خلفها قوى معظمها تبدو متعارضة من حيث الشكل والتموضع إلى جهة الهدف، إلا أنها تتفق من حيث الجوهر والمضمون في نزوعها نحو الهيمنة والاستبداد والقمع، ما عدا القوى الرائدة في مناطق الإدارة الذاتية التي أطلقت مشروعاً قيمياً ومجتمعياً وسياسياً تحريرياً جديداً هو في الواقع تحققٌ لرهانات الثورة السورية أثناء اشتعالها الأول، في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

*خلال الأزمة السورية تدخّلت الكثير من الدول.. كيف تقيّم ذلك؟ وكيف أثر هذا التدخّل على مسار الثورة؟

كان هناك أمل لدى السوريين في بداية ثورتهم متعلق بدور تركي وازن يدعم الثورة ويقف إلى صفها، سيما وكانت آنذاك لم تزل مقبلة على الحوار مع حركة الحرية الأوجلانية في بلادها، إلا أنها وفي سياق إغلاق باب الحوار هذا، كشفت عن وجهها الذي يسعى إلى الهيمنة وتكريس نموذجٍ تغلب عليه قوى إسلام سياسي متحالفة مع صيغ سياسية تقليدية ومستجدة، هي امتدادات ما لشكل من الأشكال لنظام الأسدية والبعث العنصري.

وبدلاً من أن تدعم تطلعات الشعب السوري في تحرير دمشق وحلب والمدن السورية الثائرة، أخذت على عاتقها محاربة إرادة السوريين الكامنة في مشروعها الاجتماعي السياسي في مناطق الإدارة الذاتية؛ رغبة في تدمير ما حققه السوريون من مختلف المكونات فيها، وهكذا سعت هي وقوى منهزمة رثّة إلى البدء في سياسة احتلال وإحلال ثقافي عنصرية الطابع في كل من مدن عفرين وتل أبيض/ كري سبي وسري كانيه / رأس العين.

ودعمت قبل وأثناء ذلك قوى تكفيرية إرهابية متشددة، كالنصرة وداعش، ساهمت في تحريف الثورة السورية عن مسارها الأساسي، وأدخلتها في تعقيدات استدعت آثار إقليمية ودولية ضدها.

في خلاصة الأمر، كان التدخل التركي كارثياً عصابياً مهووساً بمصالحه وإرادته في الهيمنة على حساب الشعب السوري، ولم يرد في السنوات الأخيرة إلا تقويض ما حققه السوريون من ثورتهم في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية، لقد بدت تركيا في سورية وفي مواجهة الشعب السوري مطرقة تقابل سندان الأسدية في سورية وليس سوى ذلك.

*عند الحديث عن تأثير التدخل الخارجي وخصوصاً تركيا في مسار الثورة.. شهدنا أن التيار المتشدد ابتلع التيار الثوري. فهل هذا كان عن قصد؟ وما هي الأهداف؟

بعد ما خبر السوري الشاكلة التي تدخلت فيها تركيا في سورية، أدرك أن سماحها لإدخال التكفيريين إلى سوريا عبر حدودها وبإشرافها لم يكن مجرد تواطؤ فقط؛ بل هو تعبير مباشر وقصدي عن سياسة هيمنة تريد توجيه الحدث السوري وفقاً لما يخدم أهداف حكومتها الأيديولوجية والسياسية ويحقق أهدافها في الهيمنة على مستقبل البلاد، وآيات ذلك تجدها منتشرة في معطيات وظروف الحدث السوري المتعلقة بتركيا، من قبيل ذودها المباشر عن النصرة وهيئة تحرير الشام في إدلب وامتناعها عن تفكيكها رغم اتفاقها مع الجانب الروسي في أستانا على ذلك، وقبل ذلك تسويقها وتبنيها للإخوان المسلمين وللشخصيات ذات التوجه الإسلامي السياسي في أروقة الثورة السورية.

وفي أوضح صورةٍ مهاجمتها ومحاربتها لمناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية، التي فضلاً عن أنها أخذت على عاتقها محاربة داعش التكفيري، باشرت أيضاً برنامجاً علمانياً تنويرياً تعددياً ديمقراطياً تشاركياً بيئياً لا مركزياً في شمال وشرق سوريا، ودشنت مسار التحقق العميق والجوهري للثورة السورية، وذلك بتقديري وتقدير كل مراقب وخبير بالشأن السوري كفيل لتقرير تعمدها دعم الإرهاب الديني في سوريا وجرّ البلاد صوب بوصلتها ومصالحها هي وليس السوريين.

*وصف التقارب الروسي – التركي – الإيراني عبر اتفاق أستانا بالمنعطف الكبير في مسار الصراع السوري، حيث تقسّمت البلاد إلى مناطق نفوذ، روسيا وسّعت سيطرتها، وتركيا احتلت مناطق عديدة، والنفوذ الإيراني تمدد.. كيف تقيّم نتائج هذا التقارب على السوريين؟ وما هو تأثيره المستقبلي على الدولة السورية بشكل عام؟

بالتأكيد كانت تداعيات أستانا وما توّجته من تقاربات وتوافقات تكريساً لرؤية ومصالح كل من روسيا وتركيا وإيران في سوريا، وهي بالتأكيد رؤى ومصالح لا تصبّ من قريب أو بعيد في فحوى وجوهر الثورة السورية حين انطلاقها الأول، ولا تعكس إرادة السوريين ومصالحهم ورؤيتهم لمصيرهم وقيادتهم لقرارهم.

أما تأثيره المستقبلي على سوريا فيتمثل أولاً بتداعيات صعبة وطويلة لربط الوضع في سوريا مع الأوضاع في تلك الدول وتأخير الحل النهائي للحدث السوري بعد تشويهه وتطويعه لإراداتها فتطبيق القرار 2254 على الحقيقة مرتبط بشكل رئيس بروسيا الاتحادية التي وضعت الحال السوري وسطوتها عليه ورقة في يدها؛ من أجل إعادة الاعتبار لوضعها الأعظمي في النظام الدولي.

وبشكل ثانوي بتركيا التي تظل تعيق التوصل إلى نتائج في مسارات تطبيق ذلك القرار، وترمي بكل ثقلها لكي تمنع قوى الإدارة الذاتية عن المشاركة في رسم الحل ومسارات تطبيق قرار مجلس الأمن إياه.

للأسف، وعلى الرغم من أن الأسدية بالمعنى الواسع والاستراتيجي للكلمة، قد انتهت بوصفها نظاماً شمولياً لإنتاج كافة ملامح البلاد السياسية والاقتصادية والثقافية، إلا أن سوريا المستقبل وبعد صياغة نظامها السياسي الجديد ستتحول إلى بيئة غير متجانسة وخصبة لصراعات محلية وإقليمية بالوكالة، حتى ولو كانت ذات طابع سياسي، الأمر الذي يزيد من قابلية فشل الدولة فيها كما الحال في لبنان أو العراق بدرجة أوضح.

ولا أمل إلا في مشروع الإدارة الذاتية الذي يقدم قراءات وحلولاً ناجعة لنموذج الدولة وقضايا الإنسان والمجتمع، وهو الوحيد الذي يعوّل عليه من أجل إنقاذ البلاد من مصير صعب ومظلم طويل ينتظرها حتى بعد تطبيق قرار مجلس الأمن 2254.

*شهدنا خلال سنوات الأزمة الكثير من الاجتماعات الخاصة بالأزمة السورية "جنيف، واللجنة الدستورية، واجتماعات أستانا".. بداية، كيف تقيّم أساس هذه المسارات؟ ولماذا فشلت في تحقيق تقدّم؟

بتقديري، لقد مثل إطلاق هذه المسارات في البداية سعياً لرسم خطوط عامة للمقاربة الدولية التي ترمي إلى حل الأزمة السورية التالية على الثورة، وكانت التحديات بالفعل تكمن في التفاصيل والآليات، التي لا بد سيجري توظيفها تبعاً لمصالح الدول الفاعلة في الوضع السوري وتحقيقاً لإرادتها هي.

ولأنها تقف في كثير من المواقع التي تلف الحدث السوري في مواضع متعارضة، فشلت معظم هذه المسارات أو أسست لفشل واستدامة الكارثة في سورية، فالطرف التركي مثالاً لا حصراً، أراد تمرير رؤيته وأهدافه في سورية من خلال المعارضة التي رعاها، إلا أنه عمل على تغييب ممثلي الإدارة الذاتية عن حضور أي فاعلية دولية تخص الشأن السوري، وكذلك الروس والإيرانيون حاولوا على الدوام تمرير الأجندات التي تخصهم وتخص وكلاءهم المحليين في أزمة البلاد. وهكذا تعمقت الكارثة التي أصابت البلاد وأخذت تترسخ أبعادها وتلف مساحة طويلة من حاضر ومستقبل سورية وأهلها.

*على الرغم من هذه النتائج السيئة.. كان في شمال وشرق سوريا مشروع إدارة ذاتية، حمل شعار الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب.. كيف تقيّمها؟

على الرغم من كل الكوارث التي حلت بالبلاد على خلفية اشتعال الثورة السورية، إلا أن تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية التي أسهم الحراك السوري سواء بشكل مباشر أو غير مباشر في إطلاقها، كانت قد شكلت إشراقة الأمل الوحيدة في الوضع السوري، لا سيما أن القيم التي نهضت عليها والمسارات العملية التي افتتحتها وحتى الأطر المؤسسية السياسية والقانونية والتعليمية والرمزية، بالإضافة إلى توليها الدور الأهم في محاربة الإرهاب واقتلاع جذوره المعرفية في سورية، كلها تصب في إنتاج حال سوري كانت الثورة السورية تطمح إلى تحقيقه، بهذا المعنى بتقديري شكلت الإدارة  الذاتية الديمقراطية بحقّ الوجه العظيم الآخذ في التحقق للثورة السورية.

*إلى أين تتجه سوريا بعد أحد عشر عاماً من الصراع؟ وما المطلوب من السوريين؟

على الرغم من التعب والتداعي والخراب الذي أصاب وضع البلاد أرضاً وإنساناً، إلا أن المسار التاريخي الذي أطلقته في سوريا سيترك أثره بعمق في حاضرها ومستقبلها، والذي يحسب لها على الرغم من كل ما خلفته من وجع وارتكاس وآثار مأساوية؛ لأنها أنهت أسس الأسدية من مستقبل سورية أولاً والأهم أنها أسهمت في إطلاق تجربة سياسية فلسفية مجتمعية، تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشمال شرق سوريا ثانياً، وهي التجربة الأكثر جذرية ونفاذية ليس في بلدنا وحسب، إنما في منطقة الشرق الأوسط، في حاضره مستقبله، وستترك لمساتها وخصائصها على نحو مديد واستراتيجي.

(ح)

ANHA