​​​​​​​حرب النفط السعودية الروسية.. هل يتم ترويض الدب الروسي؟

Interview with مركز الأخبار- يحيى الحبيب

أكد الباحث في العلاقات الدولية الدكتور إياد المجالي أن الصراع والتناقض بين روسيا والسعودية تمثله إفرازات الأزمة الاقتصادية النفطية العالمية، خاصة ما فرضه الانتشار المريع لوباء كورونا, وأشار إلى أن تأزيم العلاقات الاقتصادية هدفه ترويض الدب الروسي وفق أجندة أميركا، سواء في محيطها الإقليمي، أو في إطار المشروع التوسعي لموسكو في الشرق الأوسط.

اندلعت حرب النفط بين روسيا والسعودية خلال الأسبوع الماضي بعدما قررت موسكو نسف اتفاقية عمرها ثلاث سنوات، لتحديد إمدادات النفط العالمية، رافضة التوقيع على التخفيضات التي اقترحتها السعودية، مما أدى إلى انخفاض حاد في أسعار النفط.

لم ترد الرياض بتخفيضات أحادية الجانب بل في الاتجاه المعاكس, فقد خفضت أسعار بيع نفطها، وأعلنت في وقت لاحق عن خطط لزيادة إنتاج النفط بشكل كبير، مما أدى إلى مزيد من انخفاض الأسعار التي كانت تهبط بالفعل بسبب تفشي فيروس كورونا.

وحول أسباب ذلك وتداعياته أجرت وكالة أنباء هاوار حواراً مع الباحث في العلاقات الدولية الدكتور إياد المجالي.

وجاء نص الحوار كالتالي:

*لماذا اندلعت حرب النفط بين روسيا والسعودية؟

نتيجة لتطورات غير مسبوقة في أسعار السلعة الاستراتيجية الأولى, ذات التأثير المباشر على سياسات الدول، خلقت أزمة النفط العالمية مآلات وتداعيات أبرزها أن هناك عدد كبير من المنتجين سيعملون على إيقاف إنتاج النفط الخام لمواجهة انخفاض الأسعار وانهيارها عالمياً، خاصة بعد انهيار الاتفاق بين منظمة أوبك (بقيادة السعودية) والمنتجين الكبار لهذه السلعة المهمة وعلى رأسهم روسيا، الاتفاق سبق ونص على التزام كافة الأطراف بالمحافظة على استقرار السوق من خلال المحافظة على حصص إنتاج محددة تحقق استقرار أسعار النفط عالمياً.

إن الصراع والتناقض والتقاطع  بين روسيا والسعودية تمثله إفرازات الأزمة الاقتصادية النفطية العالمية ( زيادة الإنتاج وما رافقها من تراجع في الطلب)، جاءت متسارعة نتيجة لمتغيرات عالمية، خاصة في ضوء الانتشار المريع لوباء كورونا الذي شكل  التحدي الأكبر والأكثر غموضاً أمام الاقتصاد العالمي، والذي أسفر عنه  تزايد المنافسة بين المنتجين وانخفاض حاد على أسعار النفط عالمياً.

مبرر هذه الحرب التي تظهر وجهتها اقتصادية، في حين أن حقيقتها سياسية غير معلنة, يمكن قراءتها من خلال التطورات والمتغيرات الإقليمية، على رأسها تصاعد الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك عدم تأثير العقوبات الاقتصادية -التي فرضتها أميركا والاتحاد الأوروبي على موسكو منذ عام 2014- بشكل كبير، لذلك جاءت هذه التطورات في جانب تأزيم العلاقات الاقتصادية بين منظمة أوبك وروسيا لغايات يمكن معها ترويض الدب الروسي وفق أجندة أميركا، سواء في محيط روسيا الإقليمي، أو في إطار المشروع التوسعي لموسكو بالشرق الأوسط، وبخاصة أن أميركا اعتمدت - في ظل رئاسة ترامب - إدارة منطقة الشرق الأوسط عبر وكلائها، وعدم التضحية بأية خسائر بشرية أو مادية.

خاصة وأن مسارات حرب الأسعار لأي سلعة هي عرضها بأقل من أسعارها الحقيقية التي يعرب عنها ميزان العرض والطلب بالسوق، بهدف تحقيق أضرار بأحد المنتجين المؤثرين في السوق والمقصود به روسيا، من أجل حملها على إجراء ات اقتصادية أو سياسية خاصة بملفات إقليمية وعسكرية، واستخدام هذه السلعة الاستراتيجية جاء نتيجة حتمية للتأثير في القرار الروسي والصيني بتوجيه أمريكي، وتعرف هذه القضية في الأدبيات الاقتصادية بالإغراق، أو سياسة إفقار الجار، حيث لا يجد من توجه ضده هذه الحرب سوى الاستسلام لما يراد منه وإلا تكبد خسائر فادحة.

لا تزال حرب أسعار النفط قائمة، الأمر الذي يثير مخاوف وصول أسعار برميل النفط إلى حدود الانهيار السلبي, خاصة مع ارتفاع العرض بصورة هائلة وتراجع الطلب على الخام الأسود، أعتقد أن مؤشرات استمرار الوضع على ما هو عليه يعني وصول المخازن والمصافي وأنابيب وناقلات النفط إلى أقصى قدرتها الاستيعابية، وهو أمر لم يحصل منذ العام 1998، وهو الأمر الذي يعني أن النفط المنتج لن يجد سعة أو وجهة يقصدها.

*ماذا يعني فقدان السعودية لصدارة إنتاج النفط العالمي وماذا يؤثر ذلك على مكانتها عالمياً؟

المثير للجدل في هذا الجانب أن حرب النفط بدأت تعصف بسوق المال العالمي وتؤثر بشكل مباشر على قطاعات واسعة، وأربكت المجتمع الدولي دون استثناء، الولايات المتحدة اللاعب الأكبر في حرب الأسعار هذه حيث توظف منظمة أوبك في مواجهة القطب الروسي للتأثير على سياساته في المنطقة.

الخاسرون هم الدول المنتجة والمصدرة للنفط، وبخاصة تلك التي تعتمد على النفط كمورد وحيد لاقتصادها، وينطبق ذلك على الدول العربية المنتجة والسعودية تحديداً, حيث يعني هبوط أسعار النفط إلى 20 دولارا للبرميل مزيداً من العجز في ميزانياتها، وكذلك زيادة دينها العام، ولجوئها إلى الخارج للاستدانة بمعدلات أعلى عما هو مخطط له، فضلاً عن خلل هياكلها الاقتصادية، من عجز بميزان المدفوعات، وتراجع الاستثمارات والصادرات، وبخاصة أن النفط فيها يعد المكون الرئيس للصادرات, مما يؤثر  بشكل كبير على مكانتها عالميا، وإقليمياً, وفي مواقفها السياسية تجاه أغلب الملفات الساخنة.

تشير التقديرات أن كلفة إنتاج برميل النفط الخام بالسعودية حوالي عشرة دولارات تقريباً، وفي روسيا تزيد على 17 دولارا، وهو ما يعني أن الأسعار المتدنية عند 20 دولارا لازالت تغطي التكلفة بشقيها (الاستثماري + التشغيلي) في السعودية وقريبة جداً لكلفتها في روسيا، ولكن الأمور لا تقف عند هذا الحد، فهناك اقتصاديات أخرى تعتمد على عوائد النفط، والتفريط بهذه العوائد يصيب الاقتصاديات بالشلل، وإن كان هذا البند في صالح السعودية، فقد لا تنجرف روسيا إلى مواصلة الحرب لنهايتها، فثروتها في الغاز أكثر من النفط.

*هل هو صراع روسي أمريكي؟

بالتأكيد ان الرؤى المتضاربة بين الولايات المتحدة وروسيا أدت إلى تداعيات سياسية وأمنية مباشرة وأخرى استراتيجية بعيدة المدى، وكان لتعدد الملفات المتصارع عليها دولياً تأثير واضح على النظم الإقليمية الفرعية كالاتحاد الأوروبي والقوى الدولية الصاعدة مثالها الصين ودول شرق آسيا، إلى جانب القوى الإقليمية ممثلة بإيران وتركيا والسعودية، الأمر الذي انعكس على الملفات المحلية للدول بشكل بات من الصعب معالجته بشكل تفصيلي، لذلك فإن تناول دور الصين في صراع النفط الروسي – الأمريكي يشكل أبرز التداعيات السياسية والأمنية المباشرة على أنماط الصراع القائم في أغلب دول الإقليم، إلى جانب التداعيات الاستراتيجية السياسية والأمنية المباشرة.

شكل مسار منظمة أوبك في مواجهة رفض المنتجين الكبار وعلى رأسهم روسيا الانصياع والالتزام بالحصص المحددة للإنتاج مؤشراً لمستقبل أوبك الذي شكل حالة من الإرباك وعدم الاستقرار لأسواق النفط العالمية، والتي جاءت نتيجة حتمية لخلافات السياسة.

منظمة الدول المصدرة لـ النفط “أوبك” هي وعاء مهم للسيطرة على إنتاجية النفط والتحكم في أسعاره، إلا أنها في الآونة الأخيرة فقدت السيطرة على سعره وهو ما دعاها إلى التفاوض مع روسيا من أجل تخفيض الإنتاج لرفع الأسعار، خاصة قرارات أوبك ليست مُلزمة وسيظل السعر رهين العرض والطلب”، والدول النفطية هي المتضررة من خفض الإنتاج، بسبب ارتفاع كلفة استخراج النفط الخام.

كما أن الدول المستقلة عن سياسات أوبك هي دول اختارت عدم الانضمام إلى أوبك من أجل ضمان حريتها التجارية في أسواق النفط وأهمها روسيا، لذلك نعتقد أن المتغيرات المستقبلية ستحدد مشهداً اقتصادياً عالمياً مختلفاً، وسط مزيد من التعقيد والمنافسة في سوق الطاقة والنفط.

*هل تسعى روسيا للتحول إلى المصدر الأساسي للطاقة مستفيدة من علاقاتها مع تركيا وتستخدم ذلك للضغط على السعودية في الملف السوري؟

حقيقة تظهر المؤشرات حجم المأزق الروسي في محاولة تحقيق التوازن في مصالحها بين دمشق وأنقرة, لذلك تسعى روسيا بكل إمكانياتها لدعم دمشق في استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها والتوصل إلى حل سياسي بشأن الحرب، إلَّا أن التدخل التركي في شمال سوريا يمكن أن يكون انتكاسة مؤقتة للمصالح الروسية، بجانب توجس روسيا من خطر المقاتلين من الجماعات الارهابية والفصائل والميلشيات التي تتلقى دعمها المباشر من أنقرة.

إن مسارات الروس السياسية في إدارة ملفات الصراع تتجه بشكل مباشر نحو مصالح استراتيجية في المنطقة, تبرره بما تقوم به في الموازنة الدبلوماسية التي تحاول أن تمارسها تجاه العمليات العسكرية التي تنفذها تركيا في عمق الأراضي السورية تجاه مكونات من الشعب السوري بخطط تفكيك وإجراء منطقة عازلة على الحدود، إذ تحاول موسكو الظهور بمظهر الوسيط في هذا الصراع المعقد, وسط هذه المتغيرات يأتي المأزق الروسي أكثر وضوحاً، لأنها تراوغ منعاً لإفساد علاقتها بتركيا أو الكرد وحفاظاً على علاقتها بدمشق.

*ما العلاقة بين هذه الحرب والغاز المكتشف شرق المتوسط؟

 في الواقع  كان هناك اعتقاد سائد مفاده أنَّ ثروات النفط والغاز التي يكتنزها حوض شرق البحر المتوسط، كفيلة بإنتاج تحوُّل جيوسياسي وجيواقتصادي في المنطقة، يؤدي إلى سلام شامل وازدهار اقتصادي يتخطَّى أثره البلدان المعنية إقليمياً ودولياً, لكن مع ازدياد الخلافات بشأن ترسيم الحدود البحرية، وكيفية تقاسم الثروات المكتشفة فضلاً عن إمكانية استثمارها وتصديرها إلى الخارج، معطوفةً على التحوُّلات التي شهدتها المنطقة خلال العقد المنصرم، وتشكُّل سياسة محاور إقليمية ودولية لدعم أطراف بعينها على حساب أطراف أخرى انطلاقًا من المواقف السياسية، أصبح هذا التصوُّر بعيداً عن الواقعية.

حقيقةً، إن الاكتشافات المتزايدة للثروات في حوض شرق البحر المتوسط لا تزال تمتلك إمكانية إحداث تحولات داخلية في البلدان المعنية، فإنها بلا شك  تحولها إلى مادة للنزاع الداخلي والإقليمي والدولي، فضلاً عن تحولها إلى سبب في زيادة التوترات السياسية والأمنية، قد يفضي في مرحلة من المراحل إلى الصدام بدلاً من التعاون.

يبدو أن علاقة الحرب النفطية بين منظمة أوبك وروسيا ترتبط بشكل كبير في حجم التقديرات المتعلقة بالثروات الموجودة في حوض شرق البحر المتوسط، وتناقض المواقف الدولية والخلافات الناشئة والمتفاقمة إزاء هذا الأمر، خاصة دور القوى الدولية في البحث عن مصالح اقتصادية، تدفع باتجاه عسكرية هذا التناقض والتنافس التجاري في شرق المتوسط، إضافة إلى مسارات السياسة التركية في التعامل مع سياسة فرض الأمر الواقع في هذه المنطقة ومحاولات عزلها، والمسار الذي من الممكن أن تفضي إليه التطورات، وهي بالمجمل بيئة خصبة لتعزيز التقاطع وتعميق الخلاف بين أطراف الصراع حول اقتصاد السوق النفطي العالمي.

*ما تأثير هذه الحرب على التوازنات الإقليمية والدولية؟

عطفاً على مجمل المعطيات سالفة الذكر, يبدو أن تشابكها أثر بشكل كبير على التوازنات الإقليمية والدولية في انهيار سوق النفط، وكافة الصناعات ذات العلاقة, فقد بدا هذا التأثير أكثر وضوحاً، كما أدى صعود الصين الاقتصادي وتحكمها بنسب هائلة من حجم التجارة الدولية في مقابل نسب متواضعة للولايات المتحدة إلى زيادة المخاطر الناجمة عن تحكم الصين في بنية الاقتصاد الدولي، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى السعي لمحاصرة الصين من خلال محاصرة النفوذ الصيني الاقتصادي المتصاعد.

فقد عمدت الصين بهذا الجانب إلى إحداث تقارب مع روسيا من خلال منظمة شنغهاي للتعاون الأمني ومجموعة البريكس والاتفاقات المتعلقة بطريق الحرير الصيني الذي يهدف إلى الوصول إلى أوروبا عبر روسيا، وعقد صفقات لنقل الغاز إلى الصين عبر أنبوب جديد يمر عبر الأراضي الصينية ليصل إلى كوريا الشمالية، وهي مشاريع باتت مهددة بفعل الصراع في أوكرانيا والعقوبات الأوروبية إلى جانب تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني، ما دفع الصين إلى تعديل طريق الحرير باتجاه باكستان مروراً بإيران إلى دول الخليج العربي وتركيا، في هذا الإطار نجد أن أي متغير اقتصادي في المنطقة، ويهدد اقتصاد روسيا، هو بالتأكيد سيربك مشاريع الصين في المنطقة.

 لنؤكد في هذا المقام أن الرؤى المتضاربة بين الولايات المتحدة وروسيا أدت إلى تداعيات سياسية وأمنية مباشرة وأخرى استراتيجية بعيدة المدى، وكان لتعدد الملفات المتصارع عليها دولياً تأثير واضح على النظم الإقليمية الفرعية كالاتحاد الأوروبي والقوى الدولية الصاعدة مثالها الصين ودول شرق آسيا، إلى جانب القوى الإقليمية ممثلة بإيران وتركيا والسعودية، الأمر الذي انعكس على الملفات المحلية للدول بشكل بات من الصعب معالجته بشكل تفصيلي، لذلك فإن تناول دور الصين في الصراع النفط الروسي – الأمريكي يشكل أبرز التداعيات السياسية والأمنية المباشرة على أنماط الصراع القائم في أغلب دول الإقليم، إلى جانب التداعيات الاستراتيجية السياسية والأمنية المباشرة.

ANHA