فؤاد القطريب: أوجلان من أهم محركات النضال الثوري الشرق أوسطي

Interview with فؤاد القطريب

أشاد الدكتور فؤاد القطريب بنضال القائد عبد الله أوجلان خلف القضبان في إمرالي، واعتبر تعمّق القائد في التاريخ غير المدوّن علامة فارقة، وأكد أن القائد هو من القلائل في العالم الذين حوّلوا السجن إلى مركز ثقافي وبحث ودراسة.

يحتفل الشعب الكردي وأصدقاؤه وكل من يؤمن بفكر القائد أوجلان في الـ 4 من نيسان بميلاد القائد.

 ويرى الدكتور فؤاد القطريب أنّ القائد عبد الله أوجلان من القلائل في العالم الذين حوّلوا السجن إلى مركز ثقافي وبحث ودراسة.

وفؤاد القطريب من مدينة السلمية السورية، أكاديمي وجامعي، ومثقف يعيش منذ عقود في فرنسا، ومعارض ديمقراطي مناصر للحرية والعدالة، يوضح في حوار لوكالتنا: "عندما قرأت أعمال أوجلان وجدت أنه أول مثقف ـ مفكر شرق أوسطي يتكلم عن المجتمع الديموقراطي الأخلاقي ما قبل الدولاتي".

ويؤكد فؤاد القطريب أن أوجلان من الأوائل في الشرق الأوسط الذين رأوا الشرق الأوسط بكلّيته الميزوبوتامية وثورته الزراعية (الثورة الأولى في التاريخ الإنساني التي هي أساس الحضارة البشرية).

فؤاد القطريب أكد أيضًا أنّ مؤامرة 15 شباط هدفت إلى قطع الطريق على الفكر الأوجلاني الشرق أوسطي، وقال: "أوجلان صوت الحرية والعدالة والثورة المجتمعية التي انطلقت منذ عشر سنوات في ربوع الشرق الأوسط".

وفيما يلي نص الحوار:

  • كيف تقيّمون نضال القائد عبد الله أوجلان؟

أنا أعتبر المفكر والمناضل الكبير عبد الله أوجلان علامة فارقة في تاريخ الفكر والقضية الكردية في الشرق الأوسط. فهو أول مناضل ثوري كردي يضع نظرية فكرية ـ سياسية للقضية الكردية، أنا أسميها الأوجلانية، ويؤسس لهذا النضال أداة ثورية هي حزب العمال الكردستاني المعروف، ثم من خلال فكره تم تشكيل حركات وأحزاب سياسية أخرى منها حزب الشعوب الديموقراطية في تركيا.

أوجلان إنسان كردي تركي شرق أوسطي وعالمي، منح حياته ليس فقط لقضية شعبه الكردي، بل لكل شعوب الشرق الأوسط. فهو ومنذ ريعان شبابه منخرط في النضال الفكري والسياسي التركي والشرق أوسطي، وعلى الرغم من وجوده في السجن منذ 22 عامًا إلا أنه ما يزال مستمرًا بكفاحه، وهذه من الحالات النادرة في تاريخ المناضلين الثوريين.

  •  كيف ترون قراءة القائد عبد الله أوجلان الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط ودوره المفتاحي في صناعة الحضارة البشرية، وخاصة في المرحلة ما قبل السومرية، ولمفهوم الدولة وأسباب وظروف وآلية ولادتها، وانعكاس ذلك على الإنسان والمجتمع والبيئة؟

أنا أعتبر أن أوجلان مفكر وله فلسفة أسميها الأوجلانية (والمفكر بالنسبة لي هو المثقف الذي ينتج فكرًا أو أفكارًا جديدة لم يسبقه إليها أحد مثال جبران خليل جبران أو علي شريعتي أو ماركس أو غيفارا وغيرهم من المفكرين).

عندما قرأت أعمال أوجلان وجدت أنه أول مثقف ـ مفكر شرق أوسطي يتكلم عن المجتمع الديموقراطي الأخلاقي ما قبل الدولاتي (الدولة الغازية السومرية. وهو أول من قارن بين (قبل وبعد) الدولة السومرية أو مرحلة الدولاتية التي بدأت مع ولادة الدولة السومرية وما قبل الدولاتية في الشرق الأوسط أي بين المجتمعية والدولاتية.

 طبعا الدولاتية الجديدة التي بدأت مع الدولة السومرية تختلف عن التجارب الدولاتية التي سبقتها) الممالك ــ المدينية نسبة لمدينة ما، مثل مملكة أوغاريت أو مملكة ماري هذه الدويلات كانت صراعية ولكنها ليست غازية استيطانية كما الدولة السومرية ومن بعدها الأكادية والآشورية والبابلية و.. و.. و ..، وصولًا إلى الدولة الحديثة التي هي استمرار للدولة السومرية بكل تركيبها وبنياتها وتعقيدها وآليات عملها.

أوجلان من الأوائل في الشرق الأوسط الذين رأوا الشرق الأوسط بكلّيته الميزوبوتامية وثورته الزراعية (الثورة الأولى في التاريخ الإنساني التي هي أساس الحضارة البشرية).

هذه الثورة الكبيرة أدت وعبر سيرورة طويلة عمرها عدة آلاف من السنين إلى ولادة الدولة المعقدة السومرية الغازية الاستيطانية التي قطعت تاريخيًّا مع المرحلة المجتمعية ما قبل الدولاتية الغنية بدروسها التاريخية في السياسة والإدارة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية.

 وهناك نقطة أخرى تحسب لأوجلان، ألا وهي تركيزه على المرحلة ما قبل السومرية الكتابية إذا صح التعبير، فهو يفتح الباب على مصراعيه على مرحلة الثقافة الشفهية (غير مدونة) غير مكتوبة، والتي يعتبرها خزان الثقافة الشرق أوسطية والتي لا تقل أهمية عن خانات النفط والغاز والذهب والفوسفات و..و..و...  

هذه النقطة المهمة جدًّا تنتظر من تلاميذ أوجلان وغيرهم من المثقفين الشرق أوسطيين الاهتمام والتعمق بها، وتأسيس مركز بحوث ودراسات شرق أوسطية للثقافة ما قبل السومرية بدون قوموية وإثنوية؛ لأنها تشكل التربة اللازمة للمجتمع الأخلاقي العادل الشرق أوسطي القادم الذي دعا إليه أوجلان.

  • لديكم اطلاع على كيفية حياكة المؤامرة بحق عبد الله أوجلان، وتسليمه لتركيا منذ 22 عامًا، برأيكم ما السبب الكامن خلف هذه المؤامرة؟

نعم المؤامرة الأمريكو ــ صهيوــ تركيةـ عالمية، هدفت ليس فقط إلى تحطيم إرادة النضال الثوري الكردي والشرق أوسطي وخاصة الفلسطيني، بل وأساسًا إلى قطع الطريق على الفكر الأوجلاني الشرق أوسطي الذي كانت قد بدأت ملامحه تتبلور في علاقات نضالية ثورية شرق أوسطية تهدد مصالح الإمبريالية العالمية وخاصة الأمريكية والصهيونية العالمية والكيان الصهويني الإسرائيلي في فلسطين المحتلة والحكومات العسكرتارية في تركيا والمنطقة، والأنظمة الرجعية العائلاتية في الخليج والدينية في إيران، لأن أوجلان فهم مبكرًا أن حل القضية الكردية والفلسطينية مرتبط بالثورة الديموقراطية المجتمعية الشرق أوسطية من جهة، والنضال ضد الإمبريالية العالمية وذراعها الصهيوني من جهة أخرى.

اعتقال أوجلان كان ضرورة لجميع هذه القوى لقطع الطريق على السيرورة النضالية لشعوب الشرق الأوسط، وخاصة أن نضال الشعب الكردي، كما نظر له أوجلان كان يشكل أحد أهم محركات النضال الثوري الشرق أوسطي، وعندما أقول ثوري لا أعني بالضرورة النضال المسلح، ومناقشة هذه المسألة تحتاج إلى مساحة أكبر من مقال، وآمل أن نجد الوقت والطاقة في المستقبل لتسليط الضوء أكثر عليها.

  • على الرغم من الشروط والظروف الصعبة في سجن إمرالي، إلا أن القائد عبد الله يواصل نضاله، وطرح فكرًا لحل المشاكل العالقة في الشرق الأوسط. كيف تنظرون إلى هذا النضال وما تفسيركم له؟ ـ برأيكم ما التغيير الذي أحدثه عبد الله أوجلان عبر فكره وفلسفته التي انتشرت على شكل مرافعات؟

أوجلان من القلائل في العالم الذين حوّلوا السجن إلى مركز ثقافي وبحث ودراسة، وهذه النقمة تحوّلت إلى نعمة رغم قضبان السجن والقهر ومصادرة الحرية و..و..و..

أوجلان لم يستكن ويتحطم نفسيًّا وإراديًّا كما توهم الذين تآمروا عليه وأوصلوه إلى أمرالي، والنضال الكردي لم يتحطم ولم ينطفئ لهيبه وشعلته.

بغض النظر عن تأثيرات اعتقال أوجلان على بنية حزب العمال الكردستاني، وتياراته أو الأجنحة الداخلية فيه. فقد استطاع أوجلان بإرادته الثورية العظيمة أن يتابع مسيرته الفكريةــ النضالية من داخل السجن، ويجري أهم مراجعات لفكره الفكري والفلسفي والسياسي، وهكذا تم الانتقال من مرحلة ما قبل السجن إلى ما بعده، وولدت تدريجيًّا الأوجلانية من وجهة نظري.

هذه الأوجلانية تتميز بالنزاهة الخلقية أولًا، فأوجلان من المفكرين المناضلين القلائل في العالم الذين كان لهم الجرأة في الاعتراف بالخطأ، ومواجهة أخطائهم النضالية والسياسية بكل تواضع يشبه تواضع الحكماء والصوفيين.

من خلال قراءتي لفكر أوجلان في السجن، وجدت مفكرًا ناضجًا غنيًّا بثقافته ومعرفته للمدارس الفكرية والفلسفية العالمية من جهة، ولتاريخ الشعب الكردي وشعوب الشرق الأوسط من جهة ثانية (وهذا لا يعني أن ما وصل إليه هو عقيدة مقدسة، بل فكر قابل للنقاش والنقد والتطور والاغتناء) منفتح على الواقع والمستقبل والنقد وهذا أحد جوانبه الجميلة المغرية للقراءة.

موضوعات الأوجلانية الأساسية هي القضية الكردية وكيفية حلها بشكلٍ عادل وعلاقتها بالثورة الديموقراطية المجتمعية التركية والشرق أوسطية.  

المجتمع الديموقراطي الأخلاقي السياسي العادل الشرق أوسطي غير دولاتي (فدرالي) إدارة ذاتية غير قوموية وعشائرية ودينية ومذهبية و..و..و...

مقولة الأمة الديموقراطية التعددية وكيفية تجسيدها فكريًّا وثقافيًّا وفنيًّا وموسيقيًّا وإداريًّا؛ مقولة العلاقة الجدلية بين الدولة والمجتمع وسيرورة هذه العلاقة وعلاقتها بالثورة الديموقراطية المجتمعية؛ قضية المرأة والمساواة بين الجنسين وإزالة الذكورية كقضية مركزية في النضال من أجل المجتمع الديموقراطي العادل الشرق أوسطي؛ النظام الاقتصادي التشاركي المتصالح مع البيئة والمتحرر من هيمنة رأس المال والرأسمالية العالمية الأمريكو ــ صهيونية.  

طبعًا لا يمكن اختتام هذه المقالة السريعة دون التذكير بنقد أوجلان لتجربته النضالية الماركسية وانتقاله فلسفيًّا للهيغلية، ونقده للتجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي السابق والمعسكر الاشتراكي (الاشتراكية المسفيتة كما سماها المرحوم ياسين الحافظ).

تحية حب واحترام لأوجلان المفكر والمناضل الثوري الإنساني، ولكل المعتقلين الأحرار في السجون التركية والسورية والإسرائيلية خاصة والشرق أوسطية عامةٍ.

 أوجلان صوت الحرية والعدالة والثورة المجتمعية التي انطلقت منذ عشر سنوات في ربوع الشرق الأوسط، ومازالت مستمرة رغم أنف العسكر والعسكرتاريا في سوريا والإسلامويين والأنظمة الخليجية والدينية التركية والإيرانية والرأسمالية العالمية.

كلمتكم الأخيرة

آمل أن أكون قد أضأت ولو قليلًا وسريعًا بعض الملامح الأوجلانية.

(م)

ANHA